تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٣٦
ويستثيرون به دواء دائهم ؛ إشارة إلى البكاء ، فإنه دواء داء الحزين . ثم ذكر أنّهم إذا مَرّوا بآية فيها ذكر الثواب مالوا إليها ، واطمأنّوا بها ، طمعاً في نيله ، وتطلَّعت أنفسُهم إليها شَوْقا ، أي اشرأبّت . « ونصبَ أعينهم » منصوب على الظرفية ، وروي بالرفع ؛ على أنه خبر إنّ ؛ والظن هاهنا يمكن أن يكون على حقيقته ، ويمكن أن يكون بمعنى العلم ، كقوله تعالى « ألا يَظُنُّ أولئِكَ أنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ » [١] . وأصغى إلى الكلام : مال إليه بسمعه . وزفيرُ النّار : صوتها . ثم ذكر عليه السلام صورة صلاتهم وركوعهم ، فقال : « حانُون على أوْسَاطهم » ، حَنَيْتُ العُود : عَطَفته ، يصف هيئة ركوعهم وانحنائهم في الصّلاة . مفترشُون لجباههم : باسطون لها على الأرض . ثم ذكر الأعضاء السّبعة التي مباشرتُها بالأرضِ فروضٌ في الصلاة ، وهي : الجبهة ، والكَفّان ، والرّكبتان ، والقَدَمان . قوله عليه السلام : « يطلُبون إلى اللّه » ، أي يسألونه ، يقال : طلبتُ إليك في كذا ، أي سألتُك ، والكلام على الحقيقة ، مقدَّرٌ في حال محذوفة يتعلّق بها حرف الجرّ ، أي يطلبون سائلين إلى اللّه في فكاك رقابهم ؛ لأنّ « طلب » لا يتعدّى بحرف الجرّ . ثم لما فرغ من ذكر الليل ، قال : « وأمّا النّهار فحلماء ، علماء ، أبرار أتقياء » ، هذه الصّفات هي التي يطلع عليها الناظرون لهم نهاراً ، وتلك الصفات المتقدّمة من وظائف الليل . ثم ذَكَر ماهمْ عليه من الخوف ، فقال عليه السلام : « إنّ خوفَهُمْ قد بَرَاهُمْ بَرْي القِداح » ، وهي السّهام ، واحدها قِدْح ، فينظر إليهم الناظر فيحسبَهم مرضى وما بهم من مرض . ويقال للمتّقين لشدّة خوفِهم : كأنهم مَرْضَى ، ولا مَرَضَ بهم . قوله عليه السلام : « ويقول قد خولطُوا » ، أي أصابتهم جِنّة . ثم قال : « ولقد خالطهم أمر عظيم » ، أي ما زجهم خوف عظيم تولّهوا لأجْلِه ، فصاروا كالمجانين . ثم ذكر أنهم لا يستكثرون في كثير من أعمالهم ، ولا يرضيهم اجتهادهم ، وأنّهم يتّهمون أنفسهم ، وينسبونها إلى التقصير في العبادة . قال : « ومن أعمالهم مشفقون » ، أي مشفقون من عباداتهم ألاّ تُقبل ، وإلى هذا نظر أبو تمام ، فقال : يتجنّب الآثام ثم يخافها فكأنما حسناتُهُ آثامُ
[١] قال ابن ميثم : تثاقله عليه السلام لخوفه على همّام ، كما يدل عليه قوله عليه السلام : « أما واللّه لقد كنت أخافها عليه » . وهذا هو الأصوب . وقوله عليه السلام : « يا همام ، اتق اللّه وأحسن » أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل ، ولعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملاً من صفاتهم ومراعاة التقوى والإحسان ، وكأن المراد بالتقوى الاجتناب عمّا نهى اللّه عنه ، وبالإحسان فعل ما أمر اللّه به ، فالكلمة جامعة لصفات المتقين وفضائلهم .[٢] . سورة الزخرف ٣٢ .[٣] « منطقهم الصواب » المنطق ، النطق ، أي لا يقولون إلاّ حقّاً ، ويحترزون عن الكذب والفحش وسائر الأقاويل الباطلة ، أو لا يقولون ما لا يعتقدون ولا يفعلون .[٤] سورة لقمان ١٩ .[٥] سورة المطففين ٤ .