تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٢
الأصْلُ :
.وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه ِ ـ صَلّى اللّه ُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّم ـ كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا ، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا ، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا ، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا ، وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا ، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا . وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللّه ِ ـ صَلّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَيْثُ يَقُولُ : « رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) وَاللّه ِ ، مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْض ، وَلَقَدْ كَانْتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ . وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ ـ صَلّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ ، وَقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوص بِيَدِهِ ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ : أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا . وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ ، وَظِلاَلُهُ في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْض وَمَغَارِبَهَا ، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ ، وَلاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ ، وَلاَ مَالٌ يَلْفِتُهُ ، وَلاَ طَمَعٌ يُذِلُّهُ ، دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ .
الشّرْحُ :
يجوز أُسوة وإسوة ، وقرئ التنزيل بهما . والمساوئ : العيوب ؛ ساءه كذا يسوؤه سَوْءا بالفتح ومساءة ومسائية وسوته سوايةً ومسايةً ، بالتخفيف ، أي ساءه ما رآه مني . والمخازي : جمع مَخزاة ؛ وهي الأمر يُستحى من ذكره لقبْحه . وأكنافُها : جوانبها . وَزَوَى : قبض . وزخارف : جمع زُخرف ؛ وهو الذهب .