تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٨
.ومن خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الأشباح ، وهي مِنْهُ الحَالُ ، وَلاَ كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الاِنْتِقَالُ .
الشّرْحُ :
الأشباح : الأشخاص ، والمراد بهم هاهنا الملائكة ؛ لأنّ الخطبة تتضمّن ذِكْرَ الملائكة . وقوله : « الصلاة جامعةً » منصوب بفعل مقدر ، أي احضروا الصلاة ، وأقيموا الصلاة ، و « جامعةً » منصوب على الحال من الصلاة . وغَصَّ المسجد ، بفتح الغين ، أي امتلأ ، والمسجد غاصٌّ بأهله . ويقال : رجل مغضَب ، بفتح الضاد ، أي قد أُغضِب ، أي فعل ما يوجب غَضَبه . ويَفرُه المنع : يزيد في ماله ، والموفور التامّ ، وفرتُ الشيء وفْراً وَوَفَر الشيء نفسُهُ وفُورا ، يتعدّى ولا يتعدى . وفي أمثالهم : « يوفر ويحمد » هو من قولك وفرته عرضَه ووفرته ماله . وقوله : « ولا يكديه الإعطاء » ، أي لا يفقِرُه ولا ينفد خزائنه ، يقال : « كَدَتِ الأرضُ » تَكِدُو فهي كادية ، إذا أبطأ نباتُها ، وقلّ خيرها ، يقول : إنّه سبحانه قادر على المقدورات ، وليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوْا نقصَتْ خزائهم وإن منعوا زادت ، وقد شرح ذلك وقال : « إذا كلّ معطٍ منتَقَص » أي منقوص . ثم قال : « وكلّ مانع مذموم غيره » ، وذلك لأ نّه تعالى إنما يمنع مَنْ تَقتضى الحكمةُ والمصلحةُ منعه ، وليس كما يمنع البشر . قوله : « وليس بما سُئِل بأجود منه بما لم يُسأل » فيه معنى لطيف ، وذاك لأنّ هذا المعنى مما يختصّ بالبشر ؛ لأنهم يتحركون بالسؤال وتهزّهم الطلبات ، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه ، وأما البارئ سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج ؛ لأنّ جوده عامٌّ في جميع الأحوال . ثم ذكر أنّ وجودَه تعالى ليس بزمانيّ ، فلا يطلق عليه البعدية والقبلية ، كما يطلق على الزمانيات ، وإنما لم يكن وجوده زمانيا لأ نّه لا يقبل الحركة ، والزمان من لواحق الحركة ، وإنما لم تطلق عليه البَعْدِيّة والقَبْليّة إذْ لم يكن زمانيا ، فيكون تقدير الكلام على هذا : الأوّل الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانيّة ، ليمكن أن يكون شيء ما قبله ، والآخِر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ، ليمكن أن يكون شيء ما بعده . وقد يُحمل الكلام على وجه آخر ، [لكنّ] الوجه الأول أدق وألطف ، ويؤكّد كونه مراده قوله عقيبه : « ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال » ، وذلك لأنّ واجب الوجود أعلى من الدهر والزمان ، فنسبة ذاته إلى