تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٢٢
.ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها بديع خلقة الخُف شَظَايَا الآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيش وَلاَ قَصَبٍ ، إِلاَّ أ نّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً . لَهَا جَنَاحَانِ لَمْ يَرِقَّا فَيْنْشَقَّا ، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُـلاَ . تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِيءٌ إِلَيْهَا ، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ ، لاَ يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ ، وَمَصَالِحَ نَفسِْهِ . فَسُبْحَانَ الْبَارِئ لِكُلِّ شَيْءٍ ، عَلَى غَيْرِ مِثالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ!
الشّرْحُ :
الخفّاش ، واحد جمعه خَفَافيش ، وهو هذا الطائر الذي يطير ليلاً ولا يطير نهاراً ، وهو مأخوذ من الخَفَش ؛ وهو ضعف في البصر خِلْقة ، والرجل أخفش ، وقد يكون علّة وهو الذي يبصر بالليل لا بالنهار ، أو في يوم غيم لا في يوم صَحْو . وانحسرت الأوصاف : كلّت وأعيت . وردعت : كَفّت . والمساغ : المسلك . قال : « أحقّ وأبيَن مما ترى العيون » ؛ وذلك لأنّ العلوم العقلية إذا كانت ضرورية أو قريبة من الضروريَّة ، كانت أوثق من المحسوسات ؛ لأنّ الحسّ يغلط دائما ، فيرى الكبير صغيرا كالبعيد ، والصغير كبيراً . والقضايا العقلية الموثوق بها ؛ لأنها بديهيّة أو تكاد ، فالغلط غير داخل عليها . قوله : « يقبضها الضياء » ، أي يقبض أعينها . قوله : « وتّتصل بعلانية برهان الشمس » كلام جيّد في مذاهب الاستعارة . وسُبُحات إشراقها : جلاله وبهاؤه . وأكنّها : ستَرها ، وبُلَج ائتلافها : جمع بُلْجة ؛ وهي أول الصبح ، وجاء بَلْجة أيضا بالفتح . والحِدَاق : جمع حَدَقة العين . والأسداف : مصدر أسدف الليل ، أظلم . وغسق الدّجُنّة : ظلام الليل . فإذا ألقت الشمس قناعها ، أي سفرت عن وجهها وأشرقت . والأوضاح : جمع وَضَح ، وقد يراد به حليٌّ يعمل من الدراهم الصّحاح ، وقد يراد به الدراهم الصِّحاح نفسها وإن لم يكن حُليّا . والضِّباب ، جمع ضَبّ . ووِجارها : بيتها . وشظايا الآذان : أقطاع منها . والقصب هاهنا : الغُضروف . وخلاصة الخُطْبة ، التعجّب من أعين الخفافيش التي تبصر ليلاً ولا تبصر نهارا ، وكلّ الحيوانات بخلاف ذلك ، فقد صار الليل لها معاشا ، والنهار لها سكناً ؛ بعكس الحال فيما عداها . ثم من أجنحتها التي تطير بها وهي لحم لا ريش عليه ولا غضروف ؛ وليست رقيقة