تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٤
.ومن خطبة له عليه السلام دَائِماً ؛ إِذْ لاَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ ، وَلاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ ، وَلاَ لَيْلٌ دَاجٍ ، وَلاَ بَحْرٌ سَاجٍ وَلاَ جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ ، وَلاَ فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ ، وَلاَ أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ ، وَلاَ خَلْقٌ ذُو اعْتَِمادٍ ، ذلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَوَارِثُهُ ، وَإِلهُ الْخَلْقِ وَرَازِقُهُ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ ، يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ .
الشّرْحُ :
الرويّة : الفكرة وأصلها الهمز ، رَوّأتُ في الأمر ، وقد جاء مثلها كلمات يسيرة شاذّة ، نحو البريّة من برأ أي خلق ، والذريّة من ذَرَأ أي خلق أيضا ، وصف اللّه تعالى بأنّه يعرف من غير أن تتعلّق الأبصار بذاته ، ويخلق من غير تفكر وتروٍّ فيما يخلقه . لم يزل قائما ، القائم والقيّوم بمعنىً ، وهو الثابت الذي لا يزولُ ، ويعبر عنه في الاصطلاح النظريّ بالواجب الوجود ، وقد يفسر القائم على معنى قولهم : فلان قائم بأمر كذا ، أي والٍ وممسك له أن يضطرب . ثم قال : هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم . والأبراج : الأركان في اللغة العربية . قال تعالى : « وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ » [١] ، وأخذها عليّ عليه السلام منه ، فقال : « إذ لا سماءٌ ذات أبراج » ، وارتفع « سماء » ، لأ نّه مبتدأ وخبره محذوف ، وتقدير « في الوجود » . ثم قال : « ولا حُجُب ذات إرتاج » والإرتاج مصدر أرتج أي أغلق ، أي ذات إغلاق ، ومن رواه « ذات رِتاج » على « فِعال » ، فالرتاج الباب المغلق ، ويُبعِد رواية مَنْ رواه « ذات أرتاج » ؛ لأنّ « فعالاً » قلّ أن يجمع على « أفعال » ؛ ويعنى بالحُجُب ذات الإرتاج حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم وبين ملائكته . ويجوز أن يريد بالحجب السماوات أنفسها ؛ لأنهاحجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه . والليل الداجي : المظلم ، والبحر الساجي : الساكن . والفِجاج : جمع فَجّ ؛ وهو الطريق الواسع بين جبلين . والمهاد : الفراش . قوله : « ولا خلق ذو اعتماد » ؛ أي ولا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما ، أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما ؛ ويجوز أن يريد بالاعتماد هنا : البطش والتصرّف . مبتدع الخلق :
[١] سورة البروج ١ .[٢] سورة الأنعام ١٠١ .[٣] من قوله تعالى في سورة إبراهيم : « وَسَخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ » .