تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧١
الشّرْحُ :
تقول : أخذ الباطل مأخذه ، كما تقول عمل عمله ، أي قوى سلطانه وقهر ، ومثله « ركب الجهل مراكبه » . وعظمت الطاغية ، أي الطغيان ، فاعلة بمعنى المصدر ، كقوله تعالى : « لَيْسَ لِوَقْعَتِها كَاذِبَةٌ » [١] ، أي تكذيب ، ويجوز أن تكون الطاغية هاهنا صفة فاعل محذوف ، أي عظمت الفئة الطاغية . وقلّت الداعية : مثله ، أي الفرقة الداعية . وصال : حمل ووثب ، صَوْلاً وصَوْلَةً ، يقال : ربّ قول أشدُّ من صَوْل ، والصِّيال والمصاولة هي المواثبة ، صايله صِيالاً وصيالةً والفحلان يتصاولان ، أي يتواثبان . والفنيق : فحل الإبل . وهدَرَ : ردّد صوته في حَنْجَرتِه ، وإبل هوادر ؛ وكذلك هدّر بالتشديد تهديرا ، وفي المثل : « هو كالمهدر في العُنّة » يضرب للرجل يصيح ويجلب وليس وراء ذلك شيء كالبعير الذي يُحبَس في العنّة ، وهي الحظيرة ، ويمنَع من الضِّراب ، وهو يهدر . والكُظوم : الإمساك والسكوت ، كَظَم البعير يكظِم كظوما ، إذا أمسك الجِرّة ؛ وهو كاظم ، وإبل كُظُوم لا تجترّ ، وقوم كُظْم ساكتون . وتواخي الناس : صاروا إخوة ، والأصل تآخي الناس ، فأُبدلت الهمزة واواً ، كآزرته أي أعنته ، ووازرته . يقول اصطلحوا على الفجُور ، وتهاجروا على الدين ، أي تعادَوْا وتقاطعوا . فإن قلت : فإنّ من شعار الصالحين أن يهجُروا في الدين ويعادوا فيه! قلت : لم يذهب أميرُ المؤمنين حيث ظنَنت ، وإنما أراد أنّ صاحب الدين مهجور عندهم ؛ لأنّ صاحب الدين مهجور وصاحب الفجور جارٍ عندهم مجرى الأخ في الحنوّ عليه ، والحبّ له ؛ لأ نّه صاحب فجور . ثم قال : « كان الولد غيظا » ، أي لكثرة عقوق الأبناء للآباء ، « وصار المطر قيظاً » [٢] يقال إنه من علامات الساعة وأشراطها . وأوساطُه أكَالاً ، أي طعاما ، يقال : ما ذقتُ أكالاً ، وفي هذا الموضع إشكال ؛ لأ نّه لم ينقل هذا الحرف إلاّ في الجَحْد خاصة ، كقولهم : ما بها صافر ، فالأجود الرواية الأُخرى ؛ وهي « آكالاً » بمد الهمزة على « أفعال » جمع أُكْل ؛ وهو ما أُكل ، كقُفْل وأقفال . يقول : صار أوساط الناس طُعْمة للولاة وأصحاب السلاطين ، وكالفريسة
[١] سورة الواقعة ٢ .[٢] المراد بالمطر هنا وفي بعض الروايات ، الخير والخصب ، وبالقيظ ، المحْل والجدْب ، وكون المطر قيظا كناية عن الجدْب والشر بسبب الجور والظلم وسيطرة الطغاة على خيرات الأرض واحتكارها عن أهلها ، فتكون شرّا عليهم .