تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٥٢
الأصْلُ :
.ومنها : الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ ، وَكَفَى بِالْمَرءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ؛ وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه ِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللّه ُ إِلَى نَفْسِهِ ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، سَائِراً بَغَيْرِ دَلِيلٍ؛ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ ! كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ!
الشّرْحُ :
قوله عليه السلام : « العالم مَنْ عرف قدره » ، من الأمثال المشهورة عنه عليه السلام ، وقد قال الناس بعده في ذلك فأكثروا ، نحو قولهم : إذا جهلت قدر نفسك فأنت لقدر غيرك أجهل . ونحو قولهم : مَنْ لم يعرف قَدْرَ نفسِه ، فالناس أعذَرُ منه إذا لم يعرفوه . ثم عَبّر عن هذا المعنى بعبارة أُخرى ، فصارت مثلا أيضا ، وهي قوله : « كفى بالمرء جهلاً ألاّ يعرف قدره » . ثم ذكر عليه السلام أنّ مِنْ أبغض البَشَر إلى اللّه عبدا وكَلَه اللّه إلى نفسه ، أي لم يمدّه بمعونته وألطافه ؛ لعلمه أ نّه لا ينجع ذلك فيه ، وأ نّه لا ينجذب إلى الخير والطاعة ، ولا يؤثر شيء ما في تحريك دواعيه إليها ، فيكِلُه اللّه حينئذٍ إلى نفسه . والجائر : العادِل عن السَّمت ، ولما كان هذا الشقيّ خابطاً فيما يعتقده ويذهب إليه ، مستندا إلى الجهل وفساد النَّظر ، جعله كالسائر بغير دليل . والحرث هاهنا : كلّ ما يفعل ليثمر فائدة ، فحرث الدنيا كالتجارة والزراعة ، وحرث الآخرة فعل الطاعات واجتناب المقبحات والمعاصي ، وسمّي حرثاً على جهة المجاز ، تشبيهاً بحرْث الأرض ، وهو من الألفاظ القرآنية . وكَسِل الرجل بكسر السين ، يكسَل أي يتثاقل عن الأُمور ، فهو كسلان ، وقوم كَسالى وكُسالى بالفتح والضم . قال عليه السلام : حتّى كأن ما عمله من أُمور الدنيا هو الواجب عليه ، لحرصه وجدّه فيه ، وكأنّ ما وني عنه ، أي فتر فيه من أُمور الآخرة ساقط عنه وغير واجب عليه ؛ لإهماله وتقصيره فيه .
الأصْلُ :
.ومنها : وَذلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مُؤمِنٍ نُوَمَةٍ ، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ ، وَإِنْ غَابَ لَمْ