تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧٨
المنون » ؛ وهذه خصائص أربع . ثمّ إعلم أن مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء لها صورتان ، إحداهما : أن « أفضل » بمعنى كونهم أكثر ، والأُخرى : كونهم أفضل بمعنى أشرف ؛ كما تقول : « إن الفَلَكَ أفضل من الأرض ، أي أن الجوهر الذي منه جسمية الفلك أشرف من الجوهر الذي منه جسمية » . وهذه المزايا الأربع دالة على تفضيل الملائكة بهذا لاعتبار الثاني [١] . قوله عليه السلام : « يتشعّبهم ريب المنون » ، أي يتقسّمهم ، والشَّعْب : التفريق ؛ ومنه قيل للمنيّة : شَعوب ؛ لأنها تفرّق الجماعات . وريْب المنون : حوادث الدهر ، وأصل الرّيْب ما رابَ الإنسان ، أي جاءه بما يكره ، والمنون الدهر نفسه ، والمنون أيضا المنيّة ؛ لأنّها تمنّ المدّة ، أي تقطعها ، والمنّ : القطع ، ومنه قوله تعالى : « لَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ ممْنُونٍ » [٢] . ثم ذكر أنّهم على كثرة عبادتهم وإخلاصهم لو عاينوا كُنْه ما خفي عليهم من الباري تعالى لحقّروا أعمالهم . وزروْا على أنفسهم ، أي عابوها ، تقول : زريت على فلان ، أي عبته وأزريت بفلان أي قصرت به . فإن قلت : ما هذا الكُنه الذي خَفَى عن الملائكة ، حتى قال : لو عاينوه لحَـقّرُوا عبادتهم ، ولعلموا أنهم قد قصروا فيها ؟ قلت : إنّ علوم الملائكة بالباري تعالى نظريَّة كعلوم البشر ، والعلوم النظرية دون العلوم الضرورية في الجلاء والوضوح ، فأميرُ المؤمنين عليه السلام يقول : لو كانتْ علومهم بك وبصفاتك الإثباتية والسلبية والإضافية ضرورية ، عِوَض علومهم هذه المتحقّقة الآن ، التي هي نظرية ؛ لا نكشف لهم ما ليس الآن على حدّ ذلك الكشف والوضوح . ولا شبهةَ أنَّ العبادة والخدمة على قَدْر المعرفة بالمعبود ، فكلّما كان العابد به أعرفَ ، كانت عبادته له أعظَم ، ولا شبهة أنّ العظيم عند الأعظم حقير .
[١] إن مسألة تفضيل الملائكة على سائر المخلوقات رأي انفردت به المعتزلة . بينما ذهب أهل السنّة والجماعة إلى تفضيل المؤمنين عليهم بل الآدميين ، والنبي صلى الله عليه و آله وسلم أفضل من الآدميين وغيرهم . [شرح صحيح مسلم للنووي ٥ : ٣٧ . البحر الرائق لابن نجيم المصري ١ : ٥٨٢ . حاشية رد المحتار لابن عابدين ١ : ٥٦٨] . أما الإمامية فقد أجمعوا على تفضيل الأنبياء على الملائكة [رسائل المرتضى ١ : ١١٠ ، ١٥٦ ]وأن الأئمة الاثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم ، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة . [أمالي الصدوق ص٧٣٨ ، علل الشرائع ١ : ٥ . والفصول المهمة للحرّ العاملي ١ : ٤٠٣] .[٢] سورة فصلت ٨ .