تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤٨
قوله : « فاستفتحوه » ، أي اطلبوا منه الفَتْح عليكم والنَّصْر لكم . واستنجِحُوه : اطلبوا منه النجاح والظَّفَر . واطلبوا إليه : أي اسألوه . واستمنِحوه ، بكسر النون : اطلبوا منه المِنْحَة ، وهي العطيّة . ويروى : « واستميحوه » بالياء ، استمحتُ الرّجُل : طلبت عطاءه ، ومحتُ بالرجل : أعطيته . ثم ذكر عليه السلام أ نّه لا حِجاب يمنَع عنه ، ولا دونه باب يُغلق ، وأنه بكلّ مكان موجود ، وفي كلّ حين وأوان ، والمراد بوجوده في كلّ مكان إحاطة علمه ؛ وهو معنى قوله تعالى : « مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاَثَة إلاَّ هُوَ رابِعهُم » [١] ، وقوله سبحانه : « وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنمَا كُنتُمْ » [٢] . قوله : « لا يثلِمه العطاء » بالكسر : لا ينقص قدرته . والحِباء : النَّوال . ولا يستنفذه ، أي لا يفنيه . ولا يستقصيه : لا يبلغ الجود أقصى مقدوره وإن عَظُم الجود ؛ لأ نّه قادر على ما لا نهاية له . « ولا يلويه شخص عن شخص » : لا يوجب ما يفعله لشخص أو مع شخص إعراضاً وذهولاً عن شخص آخر ؛ بل هو عالم بالجميع ، لا يشغله شأن عن شأن . لوى الرجل وجهه ، أي أعرض وانحرف ، ومثل هذا أراد بقوله : « ولا يلهيه صوت عن صوت » ، ألهاه كذا ، أي شَغَله . ولا تحجُزه ـ بالضمّ ـ هِبة عن سَلْب ، أي لا تمنعه ، أي ليس كالقادرين بالقدرة مثلنا ؛ فإنّ الواحد منّا يصرفه اهتمامه بعطيّة زيد عن سلب مال عمرو ، حالَما يكون مهتمّا بتلك العطيّة ؛ لأنّ اشتغال القلب بأحد الأمرين يشغله عن الآخر . ومثل هذا قوله : « ولا يشغله غضب عن رحمة ، ولا تُولِهه رحمة عن عقاب » ، أي لا تحدث الرحمة لمستحقّها عنده ولَها ، وهو التحيّر والتردّد ، وتصرفه عن عقاب المستحقّ ؛ وذلك لأنّ الواحد منّا إذا رحِمَ إنسانا حدث عنده رقّة ، خصوصاً إذا توالت منه الرحمة لقوم متعدّدين ، فإنه تصير الرحمة كالملكة عنده ، فلا يطيق مع تلك الحال أنْ ينتقم ، والبارئ تعالى بخلاف ذلك ؛ لأ نّه ليس بذي مزاج سبحانه ولا يجنَّه البطون عن الظهور ، ولا يقطعه الظهور عن البطون ؛ هذه كلّها مصادر ؛ بَطَن بُطُونا أي خَفِيَ ، وظهر ظهوراً ، أي تجلّى ، يقول : لا يمنعه خفاؤه عن العقول أن تدركه عند ظهوره بأفعاله وإنْ لم يكن ظاهراً بذاته ، وكذلك لا يقطعه ظهوره بأفعاله عن أن يخفى كُنْهه عن إبصار العقول وإدراكها له . ويقال : اجتننت كذا ، أي سترته ، ومنه الجنين ، والجُنَّة للترس ، وسمِّي الجنُّ جنّا لاستتارهم .
[١] سورة المجادلة ٧ .[٢] سورة الحديد ٤ .