تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦
وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنك عارُها وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة . ومنها أنّ الغالب على شرفاء الناس ومَنْ هو من أهلِ بيت السيادة والرياسة ، أن يكونَ ذا كِبْرٍ وتيهٍ وتعظّم وتغطْرُس ؛ وكان أميرُ المؤمنين عليه السلام في مُصاصِ الشرف ومعدنه ومعانيه ، لا شكّ عدوّ ولا صديق أنه أشرفُ خلق اللّه نسبا بعد ابن عمّه صلوات اللّه عليه ، وقد حَصَل له من الشرف غير شرف النسب جهاتٌ كثيرة متعددة ، قد ذكرنا بعضها ، ومع ذلك فكان أشدَّ الناس تواضعا لصغير وكبير ، وألينَهم عَريكة ، وأسمحَهم خُلُقا ، وأبعدَهم عن الكِبْر ، وأعرفهم بحقّ . ومنها أنّ الغالبَ على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقَة الدماء ، أنْ يكونوا قليلي الصفح ، بعيدي العفو ؛ وقد علمتَ حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ، ومغالبة هوى النفس ، وقد رأيتَ فعله يوم الجمل . ومنها أنّا ما رأينا شجاعا جوادا قطّ ؛ وقد علمت حالَ أمير المؤمنين عليه السلام في الشّجاعة والسخاء ، كيف هي ! وهذا من أعاجيبه أيضا عليه السلام .
قال الرضيّ رحمه الله :
( وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردّد ، والمعنى المكرّر ؛ والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا ؛ فربّما اتفق الكلام المختار في رواية فَنُقِلَ على وجهه ، ثم وُجِد بعد ذلك في رواية أُخرى موضوعا غير وضعه الأول ؛ إمّا بزيادة مختارة ، أو بلفظٍ أحسنَ عبارة ؛ فتقتضى الحالُ أن يعاد ؛ استظهارا للاختيار ، وغَيْرةً على عقائل الكلام . وربما بَعُد العهد أيضا بما اختير أولاً ؛ فأعيد بعضُه سهوا ونسيانا ، لا قصدا أو اعتمادا . ولا أدّعي مع ذلك أنني أُحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام ؛ حتى لا يشِذّ عنّي منه شاذّ ، ولا ينِدّ نادّ ، بل لا أبعِد أن يكون القاصِرُ عنّي فوق الواقع إليّ ، والحاصلُ في رِبْقتي دون الخارج من يديّ؛ وما عليّ إلاّ بذلُ الجهد ، وبلاغة الوسع ، وعلى اللّه سبحانه نَهْج السبيل ، وإرشاد الدليل . ورأيت من بعدُ تسميةَ هذا الكتاب بـ « نهج البلاغة » ؛ إذ كان يَفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرّب عليه طِلاَبها ، وفيه حاجة العالم والمتعلّم ، وبُغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل ، وتنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلق ، ماهو