تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨
والعلمية ، ويعالج مشاكله دائماً ، وهو بهذا الاعتبار بقي وسيبقى خالداً أبدَ الدهر تهفو إليه القلوب الوالهة الضماء لتستضيء بنور هديه وترتوي من عذب مائه . ولا يكاد أديب أو خطيب أو فقيه أو كاتب أو مفكر بنحو عام يتخلّص من تأثيره . ولا تخلو مكتباتهم من اقتنائه . ولم يكن « نهج البلاغة » كتاباً وضعه مؤلفه في فصول مرتّبة ومنظّمة ـ مترابطة الأجزاء والأبواب ، وفي زمان واحد وإنّما هو مختارات من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ومتشعبات غصونه ، خلال سنيّ عمره المبارك التي أعقبت حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، التي لاقى فيها ألواناً من الأذى والمحن والفتن والحروب ، وشاهد كثيراً من الانحرافات التي ولّدتها نفوس الحاقدين والمنافقين والطامعين من الشانئين والطلقاء وأبنائهم . ورغم طول المدّة واختلاف الأحوال ، تجد موضوعاته ترتبط ارتباطاً عضوياً محكماً لا خلل فيه ولا اختلاف يجمعها وحدة الهدف والغاية والطريقة ، رغم أن الإمام عليه السلام كان يلقي خطبَه وكلامه ارتجالاً وعفو الخاطر ؛ وهو بهذا يكشف عن الروح الربانية الفذة التي كان يتمتّع بها الإمام عليه السلام ، كما يكشف عن أن هذا النتاج لا يمكن أن يصدر إلاّ عن مصدر طاقته فوق طاقة البشر ، يستقي من منبع الغيب والوحي ومن قبس النبوة والعصمة ، وأنّ النهج لوحده يصلح دليلاً موضوعياً على عصمة صاحبه وعظمته لما فيه من قمم فنيّة رائعة وأفكار جليلة معصومة ، « فالتوحيد ، والعدل والمباحث الشريفة الإلهية ما عرفت إلاّ من كلام هذا الرجل ... وإن كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمّن شيئاً من ذلك أصلاً ، ولا كانوا يتصورنه ، ولو تصوروه لذكروه ، وهذه الفضيلة عندي من أعظم الفضائل » [١] . والنهج العظيم يوضح سيرة وسلوك الإمام عليه السلام أفضل توضيح في غالب مراحل حياته ، وما لابسها من أحداث بشكل مدهش جعل هذا النهج ذات طبيعة خاصة متفردة ، وذلك للطاقة اللغوية والبلاغية الهائلة التي يمتلك ناصيتها الإمام عليه السلام وللعلوم الجمّة التي يكتنزها صدره الشريف . وللبلاغة التي تنثال على لسانه انثيالاً دون تعمّل أو تأمّل . « فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام مَشْرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه اُخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كلُّ قائل خطيب ، وبكلامه
[١] تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي ، د . محمود البستاني ، ص٢٠٩ بتصرّف .[٢] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ٢/١٢٠ .[٣] نهج البلاغة ، الشريف الرضي ، المقدمة .[٤] شرح ابن أبي الحديد ، تحقيق محمد أبو الفضل ١/٥ .[٥] أمالي المرتضى .[٦] معارج نهج البلاغة ، علي بن زيد البيهقي ، ص٩٧ .[٧] شرح نهج البلاغة ، محمد عبده ، المقدمة .