تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٩٦
تعالى ، وانتخبهم لنفسه ، واختصَّهم بأنسه ، أحبّوه فأحبّهم ، وقربوا منه فقرُب منهم . وقد تكلّم أرباب هذا الشأن في المعرفة والعرفان ، فكلٌّ نطق بما وقع له ، وأشار إلى ما وجده في وقته . واعلم أنّ إطلاق أمير المؤمنين عليه السلام عليهم لفظة « الولاية » ، في قوله : « يتواصَلُون بالولاية ، ويتلاقون بالمحبّة » يستدعي الخوْض في مقاميْن جليلين من مَقامات العارفين : المقام الأوّل ـ الولاية : وهو مقام جليل ، قال اللّه تعالى : « أَلاَ إنَّ أَوْلِيَاءَ اللّه ِ لاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ » [١] . واعلم أنّ الوليّ له معنيان : أحدهما : « فعيل » بمعنى « مفعول » ، كقتيل وجريح ، وهو من يتولّى اللّه أمره ، كما قال اللّه تعالى : « إنَّ وَلِيِّيَ اللّه ُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَولَّى الصَّالِحينَ » [٢] ، فلا يكِله إلى نفسه لحظة عين ، بل يتولّى رعايته . وثانيهما : « فعيل » بمعنى « فاعل » كنذير وعليم ، وهو الَّذِي يتولّى طاعةَ اللّه وعبادته فلا يعصيه . المقام الثاني ـ المحبّة : قال اللّه سبحانه : « مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه ُ بقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » [٣] ، والمحبّة عند أرباب هذا الشأْن حالة شريفة . ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل : قوله عليه السلام : « يصونون مَصُونه » ، أي يكتمون من العلم الذي استحفظوه ما يجب أن يكتم . ويفجّرون عيونه : يظهرون منه ما ينبغي إظهاره ؛ وذلك أ نّه ليس ينبغي إظهار كلّ ما استودِع العارف من الأسرار . والوَلاية ، بفتح الواو : المحبّة والنُّصرة . ومعنى « يتواصَلُون بالوَلاية » يتواصلون وهم أولياء ، ومثله : « ويتلاقوْن بالمحبّة » كما تقول :خرجت بسلاحي ، أي خرجت وأنا متسلّح ، فيكون موضع الجار والمجرور نصبا بالحال ، أو يكون المعنى أدقّ وألطف من هذا ، وهو أن يتواصلوا بالوَلاية ، أي بالقلوب لا بالأجسام ، كما تقول : أنا أرَاك بقلبي ، وأزورك بخاطري ، وأواصلك بضميري .
[١] سورة يونس ٦٢ .[٢] سورة الأعراف ١٩٦ .[٣] سورة المائدة ٥٤ .