تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٨٠
تغَالب . فأمّا قوله : « كنت أمس أميراً ، فأصبحتُ اليوم مأموراً » ، فقد قدّمنا شرح حالهم من قبل ، وأنّ أهل العراق لمّا رفع عمرو بن العاص ومَنْ معه المصاحف على وجه المكيدة حين أحسّ بالعطب وعلوّ كلمة أهلِ الحقّ ، ألزموا أمير المؤمنين عليه السلام بوضْع أوزار الحرب ، وكفّ الأيدي عن القتال ، وكانوا في ذلك على أقسام : فمنهم مَنْ دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف ، وغلب على ظنّه أنّ أهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة وحيلة . ومنهم مَنْ كان قد ملّ الحرب ، وآثر السِّلْم ، فلما رأى شبهة ما يسوغ التعلّق بها في رفض المحاربة وحبّ العافية أخلد إليها . ومنهم مَنْ كان يُبغِض عليّاً عليه السلام بباطنه ، ويطيعه بظاهره ، فاجتمع جمهور عسكره عليه ، وطالبوه بالكفّ وترك القتال ، فامتنع امتناع عالم بالمكيدة ، وقال لهم : إنها حيلة وخديعة ، وإنِّي أعرَفُ بالقوم منكم ، إنهم ليسوا بأصحاب قرآن ولا دين ، قد صحبتهم وعرفتهم صغيراً وكبيراً ، فعرفت منهم الإعراض عن الدّين ، والركون إلى الدنيا ، فلا تراعُوا برفع المصاحف ، وصمّموا على الحرب ، وقد ملكتموهم ، فلم يبق منهم إلاّ حشاشة ضعيفة ، وذَماء قليل . فأبوا عليه ، وألحوا وأصرّوا على القعود والخذلان وأمروه بالإنفاذ إلى المحاربين من أصحابه ، وعليهم الأشتر أن يأمرَهم بالرجوع ، وتهدّدوه إن لم يفعل بإسلامه إلى معاوية ، فأرسل إلى الأشتر يأمره بالرجوع وترك الحرب ، فأبى عليه فقال : كيف أرجع وقد لاحت أمارات الظفر ! فقولوا له : « ليمهلني ساعة واحدة » ، ولم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت . فلمّا عاد إليه الرسول بذلك ، غضبوا ونفروا وشغبوا ، وقالوا : أنفذت إلَى الأشتر سرّا وباطنا ، تأمره بالتصميم ، وتنهاه عن الكفّ ، وإن لم تعده الساعة ، وإلاّ قتلناك كما قتلنا عثمان ، فرجعت الرّسل إلى الأشتر فقالوا له : أتحبّ أن تظفر بمكانك وأمير المؤمنين قد سلّت عليه خمسون ألف سيف ، فقال : ما الخبر ؟ قال : إنّ الجيش بأسره قد أُحدِق به ، وهو قاعد بينهم على الأرض ، تحته نِطَع ، وهو مُطرِق ، والبارقة تلمع على رأسه ، يقولون : لئن لم تُعِد الأشتر قتلناك ! قال : ويحكم ! فما سبب ذلك ؟ قالوا : رَفْع المصاحف ، قال : واللّه لقد ظننت حين رأيتها رُفعت أنّها ستوقع فرقةً وفتنة . ثم كرّ راجعا على عَقِبيه ، فوجد أمير المؤمنين عليه السلام تحت الخطر ، قد ردّده أصحابه بين