تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٨
كلامه عليه السلام ، كأنه يقول : ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم : إنه تعالى أنشأ فتْق الأجواء . ويمكن أن يقال : إن لفظة « ثم » هاهنا تُعْطِي معنى الجمع المطلق كالواو ، ومثل ذلك قوله تعالى : « وَإنّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا ثمَّ اهْتَدَى » [١] . ثم نشرع في تفسير ألفاظه : أمّا الأجواء فجمع جَوّ ، والجوّ هنا الفضاء العالي بين السماء والأرض . والأرجاء : الجوانب ، واحدها رَجا مثل عصا . والسكائك : جمع سُكاكة ؛ وهي أعلى الفضاء ، كما قالوا : ذُؤابة وذوائب . والتيّار : الموج . والمتراكم : الذي بعضُه فوق بعض . والزّخّار : الذي يَزْخَر ، أي يمتدّ ويرتفع . والريح الزعْزع : الشديد الهبوب ، وكذلك القاصفة ؛ كأنها تُهلِك الناس بشدة هبوبها . ومعنى قوله : « فأمرها بردّه » ، أي بمنعه عن الهبوط ؛ لأنّ الماء ثقيل ، ومن شأن الثقيل الهُوىّ . ومعنى قوله : « وسلّطها على شدّه » أي على وثاقه ؛ كأنه سبحانه لما سلَّط الريح على منعه من الهبوط ؛ فكأنه قد شدّه بها وأوثقه ومنعه من الحركة . ومعنى قوله : « وقرنها إلى حَدّه » ، أي جعلها مكانا له ؛ أي جعل حدّ الماء المذكور ـ وهو سطحه الأسفل ـ مما ساطح الريح التي تحملها وتُقِلّه . والفتيق : المفتوق المنبسط . والدفيق : المدفوق . واعتقَم مَهَبَّها ، أي جعل هُبوبَها عقيما ، والريح العقيم : التي لا تُلْقِحُ سحابا ولا شجرا ، وكذلك كانت تلك الريح المشار إليها ؛ لأنّه سبحانه إنما خلقها لتمويج الماء فقط . وأدام مُرَبّها ، أي ملازمتها ، أربّ بالمكان مثل أَلبَّ به ، أي لازمه . ومعنى قوله : « وعصفت به عَصْفَها بالفضاء » ، فيه معنى لطيف ، يقول : إنّ الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كان عصفُها شديدا لعدم المانع ، وهذه الريح عصفت بذلك الماء العظيم عصفا شديدا ؛ كأنها تعصِفُ في فضاء لا ممانع لها فيه من الأجسام . والساجي : الساكن . والمائر : الذي يذهب ويجيء . وعبّ عُبَابه ، أي ارتفع أعلاه . ورُكامه : ثَبجه وهضْبته . والجوّ المنفهق : المفتوح الواسع . والموج المكفوف : الممنوع من السيلان . وعمَدٍ يَدْعمُها : يكون لها دِعامة . والدِّسار : واحد الدُّسُر وهي المسامير . والثواقب النَّيّرة : المشرِقة . وسراجا مستطيرا ، أي منتشر الضوء ، يقال : قد استطار الفجر ، أي انتشر ضوؤه ، ورقيم مائر ، أي لوح متحرّك . سُمّي الفلك رقيما تشبيها باللوح ؛ لأنّه مسطّح .
[١] سورة طه ٨٢ .