تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٧٢
.ومن كلام له عليه السلام تُخْرَجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ ، ولِغِيْرِهَا خُلِقْتُمْ . إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ ؟ وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ : مَا قَدَّمَ ؟ للّه ِ آبَاؤُكُمْ ! فَقَدِّمُوا بَعْضَاً يَكُنْ لَكُمْ ، وَلاَ تُخْلِفُوا كُـلاًّ فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ .
الشّرْحُ :
قوله عليه السلام : « دار مجاز » ، أي يُجَاز فيها إلى الآخرة ، ومنه سمِّيَ المجاز في الكلام مجازا ؛ لأنّ المتكلّم قد عَبَر الحقيقة إلى غيرها ، كما يَعبُر الإنسان من موضع إلى موضع . ودار القرار : دار الاستقرار الذي لا آخر له . فخذوا من ممرّكم ، أي من الدنيا ، لمقرّكم ؛ وهو الآخرة . قوله عليه السلام : « قال الناس : ما ترك ؟ » ، يريد أنّ بني آدم مشغولون بالعاجلة ، لا يفكّرون في غيرها ، ولا يتساءلون إلاّ عنها ، فإذا هلك أحدكم ، فإنّما قولهم بعضهم لبعض : ما الذي ترك فلان من المال ؟ ما الذي خلف من الولد ؟ وأما الملائكة فإنّهم يعرفون الآخرة ، ولا تستهويهم شهواتُ الدّنيا ، وإنّما هم مشغولون بالذِّكْر والتسبيح ، فإذا هلك الإنسان ، قالوا : ما قدّم ؟ أي أيّ شيء قدّم من الأعمال؟ ثم أمرهم عليه السلام ، بأنْ يقدّموا من أموالهم بعضها صدقة ، فإنّها تبقى لهم ، ونهاهم أن يخلِّفوا أموالَهم كلَّها بعد موتهم ، فتكون وبالاً عليهم في الآخرة .
١٩٧
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام كان كثيراً ما ينادي به أص تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللّه ُ ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ ، وَأَقِلُّوا الْعَرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا ، وَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ ، فإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً ، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً ، لاَ بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا .