تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٧٠
فإن قلت : فما هذا الأمر الذي لم ينسَ ولم يخلُق ، إن لم يكن هناك نصّ؟ قلت : قوله صلى الله عليه و آله وسلم : « إنّي مخلّف فيكم الثَّقَلين » ، وقوله : « اللّهمّ أدِرِ الحقّ معه حيث دار» ، وأمثال ذلك من النصوص الدالّة على تعظيمه وتبجيله ومنزلته في الاسلام . فهو عليه السلام كان يريد أن يؤخّر عَقْد البيعة إلى أن يحضر ويُستشار ، ويقع الوفاق بينه وبينهم ، على أن يكون العَقْد لواحدٍ من المسلمين بموجِبه ، إمّا له أو لأبي بكر ، أو لغيرهما ، ولم يكن ليليقَ أن يبرم الأمر وهو غير حاضر له ، مع جلالته فيى الإسلام ، وعظيم أثره ، وما ورد في حقّه من وجوب موالاته والرجوع إلى قوله وفعله ، فهذا هو الذي كان ينقِم عليه السلام ، ومنه كان يتألّم ويُطِيل الشّكوى ، وكان ذلك في موضعه . وما أنكَر إلاّ منكَراً . فأمّا النصّ فإنّه لم يذكره عليه السلام ، ولا احتجّ به ، ولما طال الزمان صَفَح عن ذلك الاستبداد الّذي وقع منهم ، وحضر عندهم فبايعهم ، وزال ما كان في نفسه [١] .
[١] مرّ الكلام عنها في هامش الخطبة ١٩٠ .[٢] وفيها إشارة إلى مخالفة النصّ والعهد ، والوثوب على أهل بيت الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بأنواع المساءة من غصب الخلافة وغصب الإرث ، والهمّ بالقتل ـ مرة ـ وبإحراق البيت ـ أُخرى ـ والهجوم على بيت فاطمة وفيه علي والحسن والحسين : ـ ثالثا ـ والسوق العنيف ، والتهديد والتخويف ، والحال أن العهد لم يطل ، والذكر لم يخلُ حتى يقال : نُسي ما قاله النبي صلى الله عليه و آله وسلم من النص والوصيّة بأهل بيته : بتبجيلهم وتعظيمهم واحترامهم . قال النظام كما في الملل والنحل للشهرستاني ص٩٨ ـ ٩٩ بتحيق البير نصري ، ط . دار الشرق الثالثة ١٩٩٢ : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح : أحرقوها بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .[٣] أقول : إن الإمام عليّاً عليه السلام لم يذكر النص عليه ولم يحتج به أيام الخلفاء وأكّد عليه بإلحاج شديد ، وذكره أيام خلافته ؛ وذلك لأ نّه لم يشأ أن يجعل الحديث حول النصّ مسرحاً للتأولات والتشكيكات من قِبل الحزب القرشي وأدواته ، وما كان ليخفى عليه أنهم أعدّوا للردّ على هذه القضية جوابها ، وأي كلمة تشكيكية تصدر منهم تأخذ من نفوس الناس مأخذها ؛ لما يجدون فيها من تنفيس عن ضغط الضمير عليهم بمخالفتهم الصريحة له . ولذلك حاول الإمام عليه السلام أن يبتعد عن كل ما يشير إلى النص مؤقتاً واحتج عليهم بأُمور أُخر ، وألزمهم بما ألزموا به أنفسهم من قبيل (حداثة السن ، والشجرة والثمرة) ، فقال مخاطباً أبا عبيدة ، حينما قال له : « يا ابن عم إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم بالأُمور » . فأجابه الإمام عليه السلام بعد حديث طويل ناقضاً عليه مغالطاته : « لقد كان رسول اللّه بعث أُسامة بن زيد على جيش فيه مشيخة قومك هؤلاء ، لم يطعن فيه أ نّه صبي » . وهذه حقيقة ناصعة لا مجال للتشكيك فيها أو إنكارها ، وهنا يضطر أبو عبيدة لتصحيح كلمته فيقول : « إني يا ابن عم إنّما عنيت أنك حديث السن ، أنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك ونسبك وصهرك » . فيجيبه الإمام عليه السلام بغضب: «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين تخرجون سلطان محمّد فيالعرب من داره إلى دوركم، وتدفعون أهله عن مقامهم في الناس ! أما واللّه لنحن أهل البيت أحق منكم بالأمر ؛ مادام فينا القارئ لكتاب اللّه ، الفقيه في دين ، العالم بسنن رسول اللّه ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الأُمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، وإنه واللّه لفينا يا أبا عبيدة ، إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللّه ، وتزدادوا من الحق بعداً » . الإمامة والسياسة ١ : ١١ ، الإمام عليّ لعبد الفتاح عبد المقصود ١ : ١٩٥ ـ ١٩٩ . وأمّا في أيام خلافته ، فإنه قد ثبت تأريخياً أنّ الإمام عليه السلام احتج بحديث الغدير في أكثر من مناسبة كان أشهرها في مسجد الكوفة (في رحبته) بعد عودته من حرب الجمل ، رواه أحمد بن حنبل في المسند بسنده ، قال : شهدت علياً في الرحبة قال : « أنشد اللّه رجلاً سمع رسول اللّه ، وشهد يوم غدير خم إلاّ قام ولا يقوم إلاّ من رآه » . فقام اثنا عشر بدرياً فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يقول يوم غدير خم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ... من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ـ وفي سند آخر ـ : واخذل من خذله » . وفي سند آخر : فقام ثلاثون من الناس فشهدوا . ج١ : ١١٩ ، وقال في الفتح الرباني ٤ : ٣٧٠ إسناده صحيح .[٤] وفي رواية الكافي ١ : ٤٥٨ ، قال علي عليه السلام : « فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا » ، قال البلاذري : إن فاطمة عليهاالسلام لم تُر متبسّمة بعد النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها . أنساب الأشراف ١ : ٤٠٥ .