تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٦٧
.ومن كلام له عليه السلام فَعَمَّهُمُ اللّه ُ بالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بالرِّضا ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : « فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ )، فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ المحْمَاةِ فِي الأرْض الْخَوَّارَةِ . أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيْهِ .
الشّرْحُ :
الاستِيحاش : ضدّ الاستئناس ، وكثيراً ما يحدِثه التوحّد وعدم الرفيق ؛ فنهى عليه السلام عن الاستيحاش في طريق الهدى لأجل قلّة أهله ، فإنّ المهتدي ينبغي أن يأنس بالهداية ، فلا وحشة مع الحقّ . وعَنَى بالمائدة : الدّنيا ، لذّتها قليلة ، ونغصها كثيرة ، والوجود فيها زمان قصير جدّا ، والعدم عنها زمان طويل جداً . ثم قال : ليست العقوبة لمن اجترم ذلك الجُرْم بعينه ، بل لمن اجترمه ومَنْ رضي به ، وإن لم يباشره بنفسه ، فإنّ عاقِر ناقة صالح إنّما كان إنساناً واحداً ، فعمّ اللّه ثمودَ بالسخط لما كانوا راضين بذلك الفعل كلّهم ، واسم « كان » مضمَر فيها ، أي ما كان الانتقام منهم إلاّ كذا . وخارتْ أرضهم بالخسْفة : صوَّتت كما يخور الثور ، وشبّه عليه السلام ذلك بصوت السّكة المحمَاة في الأرض الخوّارة ، وهي الليّنة ، وإنّما جعلها محمَاة لتكون أبلغَ في ذهابها في الأرض . ومن كلامه عليه السلام يوم خيبر، يقوله لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وقد بعثه بالرّاية : أكون في أمرِك كالسّكّة المحمّاة في الأرض ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل يرى الشّاهد ما لا يرى الغائب . والتّيه : المفازة يتحيّر سالكها .
١٩٥
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام روي عنه أنّه قاله عند السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّه ِ عَنِّي ، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ ! قَلَّ يَا رَسُولَ اللّه ِ ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي ، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّيِ بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ ، وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ ، مَوْضِعَ تَعَزٍّ ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ فإِنَّا للّه ِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! فَلَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللّه ُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ . وَسَتُنَبـِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ ؛ هذَا وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ ، وَالْسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّعٍ ، لاَ قَالٍ وَلاَ سَئِمٍ ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَـلاَ عَنْ مَلاَلَةٍ ، وَإِنْ أُقِمْ فَـلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللّه ُ الصَّابِرِين!