تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٦
سَلْب الموجودات كلّها في الأزَل ، صدق سلبُ ما يؤنِس أو يوحِش ؛ فتوحّده سبحانه بخلاف توحّد غيره . « أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء » [١] ، كلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء ؛ كقوله سبحانه : « لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ » [٢] . وقوله : « لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُم شِرْعَةً وَمِنْهَاجا » [٣] . « بلا رَوِيَّةٍ أجالها » ، فالرويّة : الفِكْرة ، وأجالها : ردّدها . ومن رواه : « أحالها » بالحاء ، أراد صرفها . وقوله : « ولا تجربة استفادها » ، أي لم يكن قد خلق من قبلُ أجساما فحصَلت له التجربة التي أعانته على خَلْق هذه الأجسام . وقوله : « ولا حركة أحدثها » ، فيه ردّ على الكرّامية الذين يقولون : إنّه إذا أراد أنْ يخلُق شيئا مباينا عنه أحدث في ذاته حادثا ، يسمّى الإحداث ، فوقع ذلك الشيء المباين عن ذلك المعنى المتجدّد المسمَّى إحداثا . « ولا هَمامة نفس اضطرب فيها [٤] » ، فيه ردٌّ على المجوس والثَّنَوِيّة القائلين بالهمامة ، ولهم فيها خَبْط طويل يذكره أصحاب المقالات ، وهذا يدلّ على صحّة ما يقال : إنّ أميرَ المؤمنين عليه السلام كان يعرف آراء المتقدمين والمتأخرين ، ويعلم العلوم كلّها ، وليس ذلك ببعيد من فضائله ومناقبه عليه السلام . « أحال الأشياء لأوقاتها » ، فمن رَواها : « أحَلّ الأشياء لأوقاتها » ، فمعناه جعل محلّ كلّ شيء ووقته ، كمحلّ الديْن . ومن رواها : « أحال » ، فهو من قولك : حال في مَتْن فرسه ، أي وثب ، وأحاله غيرُه ، أي أوْثبَه على متْن الفرس ؛ عدّاه بالهمزة ، وكأنّه لما أقرّ الأشياء فيأحيانها وأوقاتها صار كمن أحال غيرَه على فرسه . « ولاءم بين مختلفاتها » ، أي جعل المختلفات ملتئِمات ، كما قَرَن النفس الروحانية بالجسد الترابيّ ، جلّت عظمتُه ! « وغرّز غرائزها » ، المرويّ بالتشديد ، والغريزة : الطبيعة ، وجَمْعها غرائز ، وقوله : « غرّزها » ، أي جعلها غرائز ، كما قيل : سبحان من ضوّأ الأضواء ! ويجوز أنْ يكونَ من غرزتُ الإبرة بمعنى غرست . وقد رأينا في بعض النسخ بالتخفيف . « وألزمها أشباحها » ، الضمير المنصوب في « ألزمها » عائد إلى الغرائز ، أي ألزم الغرائز أشباحَها ، أي أشخاصها ، جمع شَبح ، وهذا حقّ ؛ لأنّ كلاًّ مطبوع على غريزة لازمة ، فالشّجاع لا يكون جبانا ، والبخيل لا يكون جواد ، وكذلك كلّ الغرائز لازمة لا تنتقل .
[١] انشأه ، وابتدأه بمعنى أوجده على غير مثال سابق .[٢] سورة فاطر ٣٥ .[٣] سورة المائدة ٤٨ .[٤] همامة النفس : الاهتمام والتردد .