تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٥٤
رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أوصاه بذلك ، وقال : إنه لا يبصر عورتي أحدٌ غيرُك إلاّ عَمِيَ واتفقوا على دفنه في البيت الذي قضى فيه وصلوا عليه إرسالاً لا يؤمّهم أحد . وقيل : إن عليّاً عليه السلام أشار بذلك فقبلوه . وأنا أعجب من ذلك ؛ لأنّ الصّلاة عليه كانت بعد بَيْعة أبي بكر ، فما الذي منع من أن يتقدّم أبوبكر فيصلّي عليه إماماً ؟! [١] قوله عليه السلام : « فمن ذا أحقّ به منّي حيّا وميتاً ! » ، انتصابهما على الحال من الضمير المجرور في « به » ، أي أيّ شخص أحقّ برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم حال حياته وحال وفاته منّي ؟ ومرادُه من هذا الكلام ، أ نّه أحقّ بالخلافة بعدَه وأحقّ الناس بالمنزلة منه حيث كان بتلك المنزلة منه في الدنيا . قوله عليه السلام : « فانفذوا إلى بصائركم » ، أي أسرعوا إلى الجهاد على عقائدكم التي أنتم عليها ، ولا يدخلنّ الشكّ والرَّيب في قلوبكم . قوله عليه السلام : « إني لعلى جادّة الحق ، وإنهم لعلَى مزلّة الباطل » ، كلام عجيب على قاعدة الصناعة المعنوية ؛ لأ نّه لا يحسن أن يقول : وإنهم لَعَلَى جادّة الباطل ؛ لأنّ الباطل لا يوصف بالجادّة ، ولهذا يقال لمن ضلّ : وقع في بُنَيّاتِ الطريق ، فتعوّض عنها بلفظ « المزلّة » ، وهي الموضع الذي يزلّ فيه الإنسان ، كالمزلقة : موضع الزَّلَق ، والمغرَقة : موضع الغرق ، والمهلكة : موضع الهلاك .
١٩١
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ ، وَمَعاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ ، وَاخْتِلاَفَ
[١] المنكر هو عمر بن الخطاب ، انظر سيرة ابن هشام ٣ : ٣٣١ ط . الحلبي . وذكر الواقدي في (مغازيه) ٢ : ٦٠٦ جعل عمر بن الخطاب يردُّ على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم الكلام ، يقول ـ أي عمر ـ : علامَ نعطي الدنيّة في ديننا ؟ فجعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلميقول : أنا رسول اللّه ولن يضيِّعني ، فقال : أولست كنتَ تحدِّثُنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال صلى الله عليه و آله وسلم : بلى ، فأخبرتك أنّا نأتيه هذا العام ؟ قال : لا ، قال صلى الله عليه و آله وسلم : فإنّك آتيه ومطوِّف به . انظر ، صحيح البخاري ٢ : ٩٧٨ / ح٢٥٨١ كتاب الشروط . وشرح النهج ١٢ : ٥٩ ثم ذكر الشارح أموراً ووقائع كثيرة من مخالفات عمر ومعارضاته لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وحاول أن يجد لها مبررات تنسجم مع عقيدته ومذهب أصحابه .[٢] ذهب الشيخ المفيد أنّ المراد من ( سالت نفسه في كفّي ) خروج روحه ، قال : قبض النبي صلى الله عليه و آله ويد أمير المؤمنين عليه السلام اليمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، فعبّر بفيضان نفسه . الإرشاد: ص ١٠٠ ، وفي الصحاح للجوهري ٣ : ٩٩ ، قال : فاضت نفسه ، أي خرجت روحه . كانت السيدة عائشة تنسب هذه المكرمة ـ أي وفاة النبي صلى الله عليه و آله في حجر عليّ عليه السلام ـ إلى نفسها فكانت تحدِّث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله مات بين سحرها ونحرها ، فاضطر عبد اللّه بن عباس إلى ردّها وتكذيبها . فعن ابن غطفان ، قال : سألت ابن عباس : أرأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله توفي ورأسه في حجر أحد ؟ قال : توفي وهو لمستند إلى صدر عليّ . قلتُ : فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنها قالت : توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله بين سحري ونحري ، فقال ابن عباس : أتعقل ! واللّه لتوفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وإنّه لمستند إلى صدر عليّ ، وهو الذي غسّله ... . انظر : طبقات ابن سعد ٢ ، قسم ٢ : ٦٢٦ . وأما قول الشارح : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قاء دماً يسيراً وقت موته ... الخ . أقول : هذا كلام يمجّه الطبع ويأباه الذوق ، وينفر منه العقل ، ولابد أن يحمل هذا الكلام على معنىً يليق بمقام النبوة .[٣] في الحديث كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام قال : لمّا قبض النبي صلى الله عليه و آله وسلم صلّت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجاً فوجاً . أما الشارح المتعجب الذي أراد توفيقاً لم يتمّ له ، فهو يعلم أن أبابكر وغيره من الصحابة كانوا يتصارعون على الخلافة وسلطان محمد صلى الله عليه و آله وسلم في سقيفة بني ساعدة .