تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤
بجسم ولا عَرَض ، ولا يصحّ عليه ما يصحّ على الأجسام والأعراض . والإخلاص التامّ هو العلم بأنّه لا تقوم به المعاني القديمة ، مضافا إلى تلك العلوم السابقة ؛ وحينئذٍ تتمّ المعرفة وتكمل . ثمّ أكّد أميرُ المؤمنين عليه السلام هذه الإشارات الإلهية بقوله : « فمَنْ وَصَف اللّه سبحانه فقد قَرَنه » ، وهذا حقّ ؛ لأنّ الموصوفَ يقارن الصفة ، والصفة تقارنه [١] . قال : « ومن قرنه فقد ثَنّاه » ، وهذا حقّ ؛ لأنّه قد أثبت قديمين ، وذلك محض التثنية . قال : « ومن ثنّاه فقد جَزّأه » ، وهذا حقّ ، لأنّه إذا أطلق لفظة اللّه تعالى على الذات والعلم القديم فقد جعل مسمّى هذا اللفظ وفائدته متجزئة ، كإطلاق لفظ « الأسود » على الذات التي حلّها سواد . قال : « ومن جَزّأه فقد جهله » ، وهذا حقّ ؛ لأنّ الجهل هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به . وقال : « ومن أشار إليه فقد حَدّه » ، وهذا حقّ ؛ لأنّ كلَّ مشارٍ إليه فهو محدود ؛ لأنّ المشار إليه لابدّ أن يكون في جهة مخصوصة ، وكلّ ما هو في جهة فله حدّ وحدود ؛ أي أقطار وأطراف . قال : « ومَن حدّه فقد عدّه » ، أي جعله من الأشياء المحدثة ، وهذا حقّ ؛ لأنّ كلّ محدود معدود في الذوات المحدَثة . قال : « ومن قال : فِيمَ ؟ فقد ضمّنه » ، وهذا حقّ ؛ لأنّ مَنْ تصوّر أنه في شيء فقد جعله إمّا جسما مستَتِرا في مكان ، أو عرضا ساريا في محلّ ، والمكان متضمّن للتمكّن ، والمحلّ متضمّن للعرَض . قال : « ومن قال : علامَ ؟ فقد أخْلَى منه » ، وهذا حقّ ؛ لأنّ مَنْ تصوّر أنّه تعالى على العرش ، أو على الكرسيّ ، فقد أخلى منه غير ذلك الموضع . وأصحاب تلك المقالة يمتنِعون من ذلك ؛ ومرادُه عليه السلام إظهار تناقض أقوالهم .
الأصْلُ :
.كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ . مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ ، فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالاْلَةِ . بَصِيرٌ ؛ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ ؛ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ ، وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ . أَنْشَأَ الْخَلْقَ إنْشَاءً ، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً ، بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا ، وَلاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا ، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَها ، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ
[١] « نفي الصفات عنه » : أي نفي الصفات الخارجة عن الذات وطبيعتها ، لا نفي الصفات التي هي عين الذات وحقيقتها .[٢] أي فمن وصف اللّه بالعالم والقادر ونحوهما ، وأراد الصفة التي هي غير الموصوف فقد جعل له قرينا ، ومعنى القرين : الصاحب ، وليس له صاحب ولا صاحبة .