تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٢٤
.من خطبة له عليه السلام خَلْقَهُ ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالاْءِنْس رُسُلَهُ ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا ، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا ، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا ، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا ، وَحَـلاَلِهَا وَحَرَامِهَا ، وَمَا أَعَدَّ اللّه ُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ . أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً .
الشّرْحُ :
المنصَبة ، بالفتح والنَّصَب : التعب ، والماضي نصِب بالكسرة . واستعبدت فلانا : اتّخذته عبدا . والضرّاء : الشدّة . ومعتبر : مصدر بمعنى الاعتبار . ومصاحّها : جمع مصحّة « مفعلة » من الصحّة ، كمضارّ جمع مضرّة . وصفَه سبحانه بأنّه معروف بالأدلّة ؛ لا من طريق الرؤية كما تعرف المرئيّات ، وبأنّه يخلق الأشياء ولا يتعب كما يتعب الواحد منّا فيما يزاوله ويباشر من أفعاله . خَلق الخلائق بقدرته على خَلْقِهم ؛ لا بحركة واعتماد . « وأسبغَ النِّعمة عليهم » : أوسَعها . واستعبد الّذين يُدْعَوْن في الدّنيا أربابا بعزِّه وقهرِه . وساد كلّ عظيم بسَعة جوده ؛ وأسكن الدنيا خلقه ، كما ورد في الكتاب العزيز : « إنّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً » [١] . وبعثَ رسلَه إلى الجنّ والإنس ؛ كما ورد في الكتاب العزيز : « يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَينْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا » [٢] . قال : « ليكشفوا لهم عن غطاء الدنيا » ، أي عن عوراتها وعيوبها المستورة ؛ وليخوّفهم من مضرّتها وغرورها المفضِي إلى عذاب الأبد . وليضربوا لهم أمثالها ، كالأمثالِ الواردة في الكتاب العزيز ، نحو قوله تعالى : « إنَّما مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنيَا كَمَاءٍ أنْزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاء فاختَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ...» الآية [٣] . قوله : « وليهجُموا عليهم » ؛ هجمتُ على الرّجل : دخلت عليه بَغْتَةً ؛ يقول : ليدخلوا
[١] سورة البقرة ٣٠ .[٢] سورة الأنعام ١٣٠ .[٣] سورة يونس ٢٤ .