تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦١٦
الشّرْحُ :
ليس يعني بالكائن هاهنا ما يعنيه الحكماء والمتكلّمون ، بل مراده الموجود ، أي هو الموجود قبل أن يكون الكرسيّ والعرش وغيرهما . قوله عليه السلام : « لا يدرَكُ بوهْم » ، الوهم هاهنا : الفكْرة والتوهّم . ولا يقدّر بفهم ، أي لا تستطيع الأفهام أن تقدّره وتحدّه . ولا يشغَلُه سائل كما يشغل السّؤّال مِنّا من يسألونه . ولا ينقصه العطاء ، كما ينقص العطاء خزائن الملوك . ولا يبصَر بجارحة ، ولا يحدّ بأيْن . وإن شئت قلت : إنّه تكلّم بالاصطلاح الحكْميّ . والأيْن عندهم : حصول الجسم في المكان ، وهو أحد المقولات العشر . قوله عليه السلام : ولا يوصَف بالأزْواج ، أي صفات الأزواج ؛ وهي الأصناف ، قال سبحانه : «وَأَنْبَتْنَا فِيهَآ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ » [١] . قوله : « ولا يَخْلُق بعلاج » ، أي لا يحتاج في إيجاد المخلوقات إلى معالجة ومزاولة . قوله : « وكلّم مُوسى تكليماً » [٢] ، من الألفاظ القرآنية ، والمراد هاهنا من ذكْر المصدر تأكيد الأمر وإزالة لبْسٍ عساه يصلح للسامع ؛ فيعتقد أ نّه أراد المجاز ؛ وأ نّه لم يكن كلامٌ على الحقيقة . قوله : « وأراه من آياته عظيماً » ، ليس يريد به الآيات الخارجة عن التَّكليم ؛ كانشقاق البحر ، وقلْب العصا ؛ لأ نّه يكون بإدخال ذلك بين قوله : « تكليماً » ، وقوله : « بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات » ، مستهجناً ، وإنما يريد أنه أراد بتكليمه إياه عظيماً من آياته ؛ وذلك أنه كان يسمع الصوت من جهاتِه الستّ ؛ ليس على حدّ سماع كلام البشر من جهة مخصوصة ؛ وله دويٌّ وصلصلة كوقع السّلاسل العظيمة على الحصا الأصمّ . فإن قلت : أتقول إنّ الكلام حلّ أجساما مختلفة من الجهات الستّ؟ قلت : لا وإنّما حلّ الشّجرة فقط ؛ وكان يُسمَع من كلّ جهة ، والدليل على حلوله في الشّجرة قوله تعالى : « فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يَا مُوسَى » [٣] ؛ فلا يخلو إمّا أن يكونَ النداء حلّ الشّجرة ؛ أو المنادى حلَّها ، والثاني باطل ، فثبت الأوّل .
[١] سورة ق ٧ .[٢] وهو قوله تعالى في سورة النساء ١٦٤ « وَكَلَّمَ اللّه ُ مُوسَى تَكْلِيما » .[٣] سورة القصص ٣٠ .