تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠٤
الصّدق على البعيد بالذّات الذي لا يصحّ الوضع والأيْنُ أصلاً عليه . قوله : « متكلّم بلا رويّة » ، الرويّة : الفكرة يرتئي الإنسان بها ليصدر عنه ألفاظ سديدة دالّة على مقصده ، والبارئ تعالى متكلّم لا بهذا الاعتبار ؛ بل لأ نّه إذا أراد تعريف خلقه من جهة الحروف والأصوات ؛ وكان في ذلك مصلحة ولطف لهم ، خلَق الأصوات والحروف في جسم جَماديّ ، فيسمعها مَنْ يسمعها ، ويكون ذلك كلامه ؛ لأنّ المتكلّم في اللغة العربية فاعل الكلام لا من حَلّه الكلام . قوله : « مريدٌ بلا همّة » ، أي بلا عَزْم ، فالعزم عبارة عن إرادةٍ متقدّمة للفعل ، تفعل توطينا للنفس على الفعل ، وتمهيدا للإرادة المقارنة له ؛ وإنّما يصحّ ذلك على الجسم الذي يتردّد فيها ، تدعوه إليه الدواعي ، فأمَّا العالم لذاته ، فلا يصحّ ذلك فيه . قوله : « صانع لا بجارحة » ، أي لا بعضو ؛ لأ نّه ليس بجسم . قوله : « لطيف لا يوصف بالخفاء » ؛ لأنّ لعرب إذا قالوا لشيء : إنّه لطيف ، أرادوا أ نّه صغير الحجم ، والبارئ تعالى لطيف لا بهذا الاعتبار ، بل يطلق باعتبارين : أحدهما : أ نّه لا يُرَى لعدم صحّة رؤية ذاته ؛ فلما شابه اللّطيف من الأجسام في استحالة رؤيته ، أطلق عليه لفظ « اللطيف » إطلاقا للفظ السّبب على المسبّب . وثانيهما : أ نّه لطيفٌ بعباده ؛ كما قال في الكتاب العزيز ، أي يفعل الألطاف المقرّبة لهم من الطاعة ، المبعّدة لهم من القبيح . أو لطيفٌ بهم بمعنى أ نّه يرحمهم ويرفُق بهم . قوله : « كبير لا يوصَفُ بالجفاء » ، لمّا كان لفظ « كبير » إذا استعمِل في الجسم أفاد تباعد أقطاره ؛ ثم لما وصف البارئ بأنَّهُ كبير أراد أن ينزّهه عما يدلّ لفظ « كبير » عليه ، إذا استعمل في الأجسام ؛ والمراد من وصفه تعالى بأنّه كبير ، عَظَمة شأنه وجلالة سلطانه . قوله : « بصير لا يوصف بالحاسّة » ؛ لأ نّه تعالى يدرَك إمّا لأ نّه حيّ لذاته ، أو أن يكون إدراكه هو علمه ؛ ولا جارحةَ له ولا حاسّة على كلّ واحد من القولين . قوله : « رحيم لا يوصف بالرّقّة » ؛ لأنّ لفظة الرحمة في صفاته تعالى تطلق مجازا على إنعامه على عباده ؛ لأنّ الملك إذا رقّ على رعيّته وعطَف ، أصابهم بإنعامه ومعروفه . قوله : « تعنو الوجوه » ، أي تخضع ، قال تعالى : « وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّوم » [١] .
[١] سورة المجادلة ٧ .[٢] سورة طه ١١١ .