تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠٠
١٧٩
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ ، وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا ، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَلمَاءِ . يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ . وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهِ إِلاَّ اللّه ُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ ، وَلاَ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، وَلاَ مَكْفُورٍ دِينُهُ ، وَلاَ مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ وَخَلَصَ يَقِينُهُ ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى مِنْ خَلاَئِقِهِ ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ ، وَالُْمخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ ، وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاَتِهِ ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى ، وَالْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى .
الشّرْحُ :
لا يشغلَهُ أمر ؛ لأنّ الحيّ الذي تشغله الأشياء هو الحيّ العالم بالبعض دون البعض ، والقادر على البعض دون البعض ؛ فأمّا من لا يغيب عنه شيء أصلاً ، ولا يعجز عن شيء أصلاً ، ولا يمنعه من إيجاد مقدوره ـ إذا أراد ـ مانع أصلاً ؛ فكيف يشغَلُه شأن ؟! وكذلك لا يغيّره زمان ؛ لأ نّه واجب الوجود ، ولا يحويه مكان ؛ لأ نّه ليس بجسم ، ولا يصفه لسان ؛ لأنّ كُنْه ذاته غيرُ معلوم ، وإنما المعلوم منه إضافات أو سلوب . ولا يعزب عنه أمر من الأُمور ، أي لا يفوته عِلْم شيء أصلاً . والسوافي : التي تَسْفِي التراب ، أي تَذْرُوهُ . والصفا ، مقصور : الصخر الأملس ؛ ولا وقف عليها هاهنا ؛ لأنّ المقصور لا يكون في مقابلة الممدود ، وإنما الفقرة المقابلة للهواء هي