تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٩٦
. الْحَلاَلَ مَا أَحَلَّ اللّه ُ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللّه ُ . فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمْورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا ، وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَضُرِبَتِ لَكُم الْأَمْثَالُ ، وَدُعِيتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ ؛ فَـلاَ يَصَمُّ عَنْ ذلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ ، وَلاَ يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلاَّ أَعْمَى . وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللّه ُ بِالْبَلاَءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ ، وَأَتَاهُ الْتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ . فأنّ النَّاسُ رَجُلاَنِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً ، وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً ، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللّه ِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ ، وَلاَ ضِياءُ حُجَّةٍ .
الشّرْحُ :
يقول : إنّ الأحكام الشرعيّة لا يجوز بعد ثبوت الأدلّة عليها من طريق النصّ أن تُنقَضَ باجتهاد وقياس ؛ بل كلّ ماورد به النصّ تُتّبع مورد النصّ فيه ، فما استحللته عاماً أوّل ؛ فهو في هذا العام حلال لك ؛ وكذلك القول في التحريم . وقال : « إنّ ما أحدث الناسُ لا يُحِلُّ لكم شيئاً مما حُرّم عليكم » ، أي ما أحدثوه من القياس والاجتهاد . قوله : « وضرّستموها » بالتشديد أي أحكمتموها تجربةً وممارسة ، يقال : قد ضرّستْه الحرب ، ورجل مضرّس . قوله : « فلا يَصمّ عن ذلك إلاّ أصمّ » أي لا يَصمّ عنه إلاّ من هو حقيق أن يقال عنه : إنه أصمّ ، كما تقول : ما يجهل هذا الأمر إلاّ جاهل ؛ أي بالغ في الجهل . ثم قال : « مَنْ لم ينفعه اللّه بالبلاء » أي بالامتحان والتجربة ، لم تنفعه المواعظ ؛ وجاءه النقص من بين يديه حتى يتخيّل فيما أنكره أنه قد عرفه ، وينكِر ما قد كان عارفا به . وسمّى اعتقاد العرفان وتخيّله « عرفاناً » على المجاز . ثم قسّم النّاس إلى رجلين : إمّا متّبع طريقةً ومنهاجاً ، أو مبتدِعٌ ما لا يعرف ؛ وليس بيده حجّة ، فالأوّل المحقّ والثاني المبطِل . والشِّرعة : المنهاج . والبرهان : الحجة .
الأصْلُ :
.فَإِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللّه ِ الْمَتِينُ ، وَسَبَبُهُ الْأَمِينُ ، وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ ، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلاَءٌ غَيْرُهُ ، مَعَ أنـّهُ قَدْ ذَهَبَ