تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٩٠
١٧٧
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللّه ِ ، وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللّه ِ ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللّه ِ ، فَإِنَّ اللّه َ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ ، وَأخَذَ عَلَيْكُمْ الْحُجَّةَ ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا ، لِتَتَّبِعُوا هذِهِ ، وَتَجْتَنِبُوا هذِهِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه ِ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وسلّم كَانَ يَقُولُ : «إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ» . وَاعْلَمُوا أنـّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللّه ِ شَيْءٌ إِلاَّ يَأتِي فِي كُرْهٍ ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللّه ِ شَيْءٌ إِلاَّ يَأتِي فِي شَهْوَةٍ . فَرَحِمَ اللّه ُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّ هذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً ، وَإِنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوىً . وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللّه ِ ـ أَنَّ الْمُؤمِنَ لاَ يُمْسِي ولاَ يُصْبِحُ إِلاَّ وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ ، فَـلاَ يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيْداً لَهَا . فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ . قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِل ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازل .
الشّرْحُ :
أعذر إليكم : أوضَح عذره في عقابكم إذا خالفتم أوامره . والجليّة : اليقين ؛ وإنّما أعذر إليهم بذلك ؛ لأ نّه مكّنهم من العلم اليقينِيّ بتوحيده وعدله ، وأوجب عليهم ذلك في عقولهم ؛ فإذا تركوه ساغ في الحِكْمة تعذيبُهم وعقوبتهم ؛ فكأنَّهُ قد أبان لهم عذره أنْ لو قالوا : لِمَ تعاقبنا ؟ « ومحابّه من الأعمال » ، هي الطاعات التي يحبّها . وحبّها لها إرادة وقوعها من المكلّفين . ومكارهه من الأعمال : القبائح التي يكرهها منهم ؛ وهذا الكلام حجّة لأصحابنا على المجبِّرة . والخبر الذي رواه عليه السلام مرويّ في كتب المحدّثين ؛ وهو قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « حُجبت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » ، ومن المحدّثين من يرويه : « حفّت »