تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٨٤
وثالثها : أنّ الخارج على الإمام يستعتَب أولاً بالكلام والمراسلة ، فإن أبى قُؤتل ؛ وهذا هو نصّ الكتاب العزيز : « وَإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْدَاهُماعَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ الَى أَمْرِ اللّه ِ » [١] ورابعها : أنه يقاتِل أحدَ رجلين : إمّا رجلاً ادَّعى ما ليس له ، نحو أن يخرُج على الإمام مَن يدّعي الخلافة لنفسه ، وإمّا رجلاً منع ما عليه ، نحو أن يخرج على الإمام رجلٌ لا يدّعي الخلافة ، ولكنه يمتنع من الطاعة فقط .
الأصْلُ :
.أُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللّه ِ ـ بَتَقْوَى اللّه ِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللّه ِ . وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَلاَيَحْمِلُ هذَا الْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ الْبَصَرِ والصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بمَوَاقِعِ الْحَقِّ ، فَامْضُوا لِمَا تُؤمَرُونَ بِهِ ، وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ؛ وَلاَ تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا ، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً . أَلاَ وَإِنَّ هذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا ، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ ، وَلاَ مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَلاَ الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ . أَلاَ وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلاَ تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا؛ وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا . فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا ، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا؛ وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا ، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا؛ وَلاَ يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا ، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللّه ِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللّه ِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا
[١] بل فيه دليل على اعتبار الأفضلية في الإمامة ، وعدم جواز إمامة المفضول ، لا سيّما مع قوله عليه السلام : « فإن شغب شاغب .. » . و « الشغْب » تهييج الشرّ ، فإذا تمت البيعة للإمام العالم والمدبّر العادل ، ثم خرج عليه شرّير فاسد يستعتب ، والمراد بالاستعتاب طلب الرجوع بالكلام أو بالمراسلة وإلاّ بالحرب أو غيرها .[٢] أقول : إنّما احتجّ الإمام عليه السلام بالإجماع إلزاما للخصم بما يلتزم به ، ولمجرد الاحتجاج على أمثال معاوية وعمرو بن العاص بغضّ النظر عن تحديد هوية الخلافة وطرق الاستدلال عليها ؛ لأنهم قد اتفقوا على العمل به في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان . وأمّا عدم تمسّكه بالنصّ مع ثبوته عنده وعند آله بما يلتزم به لعلمه بعدم التفاتهم إليه ، كيف وقد أعرضوا عنه في أول الأمر مع قرب العهد بالنبي صلى الله عليه و آله وسلم وسماعهم منه ، والأنصار قد سبقوا الجميع في الاستخفاف به ، والإمام عليه السلام كان يقدّر آنذاك أنّ الحزب الحاكم سوف يستبسل في إنكار النص إذا جاهر به ، ولا يقف إلى جانبه صف ينتصر له في دعواه ؛ لأنّ الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنصّ يسدّ عليهم مجال التراجع ، وبين من يرى أنّ فكرة النصّ تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم بدون منازع . وإذا أصرت السلطة الحاكمة على إنكار النصّ وسكت الآخرون ، فمعنى هذا أنّ النص يفقد قيمته الواقعية ، ولهذا لم يكن للاحتجاج بالنصّ أثر واضح . بخاصة أنّ المقام مقام جدل يختار فيه إيراد ما يلتزم به الخصم ويقطع شغبه .[٣] سورة الحجرات ٩ .