تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٧٤
ولكنه كلام قاله أوّل مسير طلحة والزبير إلى البَصْرة ، فإنه حينئذٍ أشارَ عليه قوم بمعاقبة المجلِبين ، فاعتذر بما قد ذكر ، ثم قال : « وسأمسك الأمر ما استمسك » ، أي أمسك نفسي عن محاربة هؤلاء الناكثين للبيعة ما أمكنني ، وأدفع الأيام بمراسلتهم وتخويفهم وإنذارهم ، وأجتهد في ردهم إلى الطاعة بالترغيب والترهيب ، فإذا لم أجد بُدّا من الحرب ، فآخر الدواء الكَيّ ، أي الحرب ؛ لأنها الغاية التي ينتهي أمر العصاة إليها .
١٧٠
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام عند مسير أصحاب الجمل إلى إِنَّ اللّه َ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائمٍ ، لاَ يَهْلِكُ عَنْهُ إِلاَّ هَالِكٌ . وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلاَّ مَا حِفِظَ اللّه ُ مِنْهَا . وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللّه ِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ ، فَاعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلاَ مُسْتَكْرَهٍ بِهَا . وَاللّه ِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللّه ُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الاْءِسْلاَمِ ، ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ . إِنَّ هؤلاَء قَدْ تَمَالَؤوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتي ، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا هذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللّه ُ عَلَيْهِ ، فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدبارِهَا . وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللّه ِ تَعَالَى وَسنّةِ رَسُولِه صلى الله عليه و آله وسلم وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ ، وَالْنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ .
الشّرْحُ :
وأمر قائم ، أي مستقيم ليس بذي عَوَج . لا يهلك عنه إلاّ هالك ، تقديره : لا يهلك عادلاً عنه إلاّ هالك ؛ وهذا كما تقول : لا يعلم هذا الفنّ إلاّ عالم ، أي مَنْ قد بلغ الغاية في العلم واستحقّ