تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦٠
.ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاو ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التِّسْخِيرِ ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ ، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ . كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً ، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلاَفِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ . فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لاَ يَشُوبْهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيه؛ وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلاَفِ مَا صُبِـغَ بِهِ.
الشّرْحُ :
المَوات ، بالفتح : ما لا حياة فيه . وأرضٌ موات ، أي قَفْر ، والساكن هاهنا كالأرض والجبال . وذو الحركات : كالنار والماء الجاري والحيوان . ونعَقت في أسماعنا دلائله ، أي صاحت دلائله ؛ لظهورها كالأصوات المسموعة التي تُعلَم يقيناً . وأخاديد الأرض : شقوقها ، جمع أُخْدُود . وفجاجها : جمع فَجّ ؛ وهو الطريق بين الجبَلين . ورواسي أعلامها : أثقال جبالها . وصرَّفة في زمام التّسخير ، أي هي مسخّرة تحت القدرة الإلهية . وحِقاق المفاصل : جمع حُقّ ؛ وهو مجمع المفصلين من الأعضاء كالركبة ؛ وجعلها محتجبة ؛ لأنها مستورة بالجلد واللّحم . وعَبَالة الحيوان : كثافة جَسده . والخفوف : سرعة الحركة . والدفيف للطائر : طيرانه فُوَيق الأرض ؛ يقال : عُقاب دَفُوف . ونسقها : رتبها . والأصابيغ : جمع أصْباغ ، وأصباغ جمع صِبْغ . والمغموس الأوّل : هو ذو اللون الواحد كالأسود والأحمر . والمغموس الثاني : ذو اللونين ، نحو أن يكون أحمر وعنقه خضراء . وروي : « قد طورق لون » أي لون على لون ، كما تقول : طارقت بين الثوبين . فإن قلت : ما هذه الطيور التي يسكن بعضها الأخاديد وبعضها الفِجاج ، وبعضها رؤوس الجبال؟ قلت : أمّا الأول فكالقطا والصّدا [١] ، والثاني كالقَبج [٢] والطّيهوج [٣] ، والثالث كالصّقر والعُقاب .
[١] الصدا : ذكر البوم .[٢] القبج ، واحده القبجة ؛ وهي أُنثى الحجل .[٣] الطيهوج : طائر شبيه بالحجل الصغير ، غير أن عنقه أحمر ومنقاره ورجلاه حمر .