تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٥٤
أُصول : الأصل الأول : أنه تعالى واجب الوجود لذاته ، ويتفرّع على هذه الأصل فروع : أولها : أنه ليس لأوّليّته ابتداء ؛ لأ نّه لو كان لأوّليته ابتداء لكان محدَثاً ، ولا شيء من المحدَث بواجب الوجود . وثانيها : أ نّه ليس لأزليّته انقضاء ؛ لأ نّه لو صحّ عليه العَدَمُ لكان لعدَمه سبب ، فكان وجوده موقوفا على انتفاء سبب عدمه ، والمتوقِّف على غيره ، يكون ممكنَ الذات ، فلا يكون واجبَ الوجود . وقوله عليه السلام : « هو الأوّل لم يزَلْ ، والباقي بلا أجَل » تكرار لهذين المعنيين السابقيْن على سبيل التأكيد ، ويدخل فيه أيضا قوله : « لا يقال له مَتَى ، ولا يضرب له أمد بحتّى » ؛ لأنّ « متى » للزمان وواجب الوجود يرتفع عن الزمان ، و « حتى » للغاية وواجب الوجود لا غاية له . ويدخل أيضاً فيه قوله : « قبل كلّ غاية ومدّة ، وكلّ إحصاء وعدّة » . وثالثها : أ نّه لا يشبهُ الأشياء البتّة ؛ لأنّ ما عداه إمّا جسم أو عَرَض أو مجرّد ، فلو أشبهَ الجِسْم أو العرض لكان إمّا جسماً أو عرضاً ، ضرورة تساوي المتشابهين المتماثلين في حقائقهما . ولو شابَه غيرَه من المجرّدات ـ مع أنّ كل مجرد غير مُمْكِن ـ لكان ممكنا ، وليس واجب الوجود بممكن ، فيدخل في هذا المعنى قوله عليه السلام : « حَدّ الأشياء عند خَلْقهِ لها ، إبانة لَهُ من شبهها » ، أي جعل المخلوقاتِ ذوات حدود ليتميّز هو سبحانه عنها ، إذ لا حدّ له ، فبطل أنْ يشبهه شيء منها . ودخل فيه قوله عليه السلام : « لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح » . والأدوات : جمع أداة وهي ما يعتمَد به ، ودخل فيه قوله : « الظّاهر فلا يقال : مم » ؟ أي لا يقال : من أيّ شيء ظَهَر ، « والباطن فلا يقال : فيم » ، أي لا يقال فيما ذا بطن ؟ ويدخل فيه قوله : « لا شَبحٌ فيتقصّى » والشّبح : الشخص . ويُتقصّى : يطلب أقصاه . ويدخل فيه قوله : « ولا محجوب فيحوَى » ، وقوله : « لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق » ؛ لأنّ هذه الأُمور كلّها من خصائص الأجسام ، وواجب الوجود لا يشبه الأجسام ولا يماثلها . ويدخل فيه قوله عليه السلام : « تعالى عما ينحَلُه المحدّدون من صفات الأقدار » ، أي مما ينسبه إليه المشبهة والمجسّمة من صفات المقادير ، وذوات المقادير . « ونهايات الأقطار » ، أي الجوانب . « وتأثّل المساكن » ، مجدٌ مؤثّل ، أي أصيل ، وبيت مؤثّل ، أي معمور . وكأنّ أصلَ الكلمة أن تبنى الدار بالأثْل ، وهو شجر معروف . وتمكّن الأماكن :