تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٣
روي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال : « عُرضَتْ عليّ كنوز الأرض ودُفِعت إليَّ مفاتيح خزائنها ، فكرهتُها واخترت الدار الآخرة » ، وجاء في الأخبار الصحيحة أ نّه كان يجوعُ ويشدّ حجَراً عَلَى بطنه . وأ نّه ما شبع آل محمد من لَحْم قطّ ، وأنّ فاطمة وبعلَها وبنيها كانوا يأكلون خبز الشعير ، وأنهم آثروا سائلاً بأربعة أقراص منه كانوا أعدُّوها لفطورهم ، وباتوا جياعا . وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلممَلَك قطعة واسعة من الدّنيا ، فلم يتدنّس منها بقليل ولا كثير ؛ ولقد كانت الإبل التي غنمها يوم حُنين أكثر من عشرة آلاف بعير ؛ فلم يأخذ منها وبَرةً لنفسه ، وفَرّقها كلّها على الناس ، وهكذا كانت شيمته وسيرته في جميع أحواله إلى أن توفِّي . والصّفاق : الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن . وشفيفه : رقيقه الذي يستَشفّ ما وراءه ، وبالتفسير الذي فسر عليه السلام الآية فَسّرها المفسرون ، وقالوا : إنّ خضرة البقل كانت تُرَى في بطنه من الهزال ، وإنّه ما سأل اللّه إلاّ أكلةَ من الخبز . و « ما » في « لِمَا أَنْزَلْتَ » بمعنى أيّ ، أي إني لأيّ شيء أنزلتَ إليّ ـ قليل أو كثير ، غثّ أو سمين ـ فقير . وتشذُّب اللحم : تفرّقه . والمزامير : جمع مزمار ؛ وهو الآلة التي يزمر فيها ، ويقال : زَمَر يزمِر ويزمُر ، بالضم والكسر ؛ فهو زمّار ، ولا يكاد يقال : زامر ؛ ويقال للمرأة : زامرة ، ويقال : إنّ داود أُعطِيَ من طيب النّغَم ولذّة ترجيع القراءة ما كانت الطيور لأجله تقع عليه وهو في محرابه ، والوحش تسمعه فتدخل بين الناس ولا تنفِر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته . وورد في الخبر : « داود قارئ أهل الجنّة » . وسفائف الخوص : جمع سفيفة ، وهي النسيجة منه ، سفَّفت الخوصَ وأسففته بمعنى . وهذا الذي ذكره عليه السلام عن داود يجب أن يحمل على أ نّه شرح حاله قبل أن يملّك فإنه كان فقيرا ، فأمّا حيث ملّك فإن المعلوم من سيرته غير ذلك. فأمّا عيسى فحاله كما ذكرها عليه السلام ، لا ريب في ذلك ، على أنه أكل اللحم وشرب الخمر ، وركب الحمار وخدمه التلامذة ؛ ولكن الأغلب من حاله هي الأُمور التي عدّدها أمير المؤمنين عليه السلام . ويقال : حَزنني الشيء يحزُنني بالضم ؛ ويجوز : « أحزنني » بالهمز يُحزنني ، وقرئ بهما ، وهو في كلامه عليه السلام في هذا الفصل بهما . ويقال : لفته عن كذا ، يَلْفِتُهُ بالكسر ، أي صرَفه ولواه .