تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٣٣
وانتصب « اللّه ، اللّه » على الإغراء . و « في » متعلّقة بالفعل المقدّر ؛ وتقديرة : راقبوا . وأعزّ الأنفس عليهم ، أنفسهم . قوله : « فشِقْوة لازمة » ، مرفوع على أ نّه خبر مبتدأ محذوف ؛ تقديره : فغايتكم ، أو فجزاؤكم ، أو فشأنكم ؛ وهذا يدلّ على مذهبنا في الوعيد ؛ لأ نّه قَسَم الجزاء إلى قسمين ، إمّا العذاب أبداً ، أو النعيم أبداً ؛ وفي هذا بطلان قول المرجئة : إنّ ناسا يخرجون من النّار فيدخلون الجنة ؛ لأنّ هذا لو صَحّ لكان قسما ثالثا . قوله : « فقد دُلِلتُم على الزّاد » ، أي الطاعة . وأمرتم بالظَّعن ، أي أمرتم بهجْر الدنيا ، وأنْ تظعَنُوا عنها بقلوبكم . ويجوز : « الظَّعْن » بالتسكين . وحُثِثتم على المسير ؛ لأنّ الليل والنهار سائقان عنيفان . قوله : « وإنّما أنتم كركْب وقوف لا يَدْرُون مَتَى يؤمرون بالسير » ، السَّيْر هاهنا ، هو الخروج من الدنيا إلى الآخرة ، بالموت . جعل الناس ومقامهم في الدنيا كركْب وقوف لا يدرون متى يقال لهم : سيروا فيسيرون ؛ لأنّ النّاس لا يعلمون الوقت الذي يموتون فيه . فإن قلت : كيف سمّى الموت والمفارقة سيرا؟ قلت : لأنّ الأرواح يُعْرَجُ بها إمّا إلى عالمها وهم السُّعداء ، أو تهوي إلى أسفل السافلين وهم الأشقياء ؛ وهذا هو السَّيْر الحقيقي ، لا حركة الرجل بالمشي . و « ما » في « عَمّا قليل » زائدة . وتَبِعتُه : إثمهُ وعقوبته . قوله : « إنه ليس لما وعد اللّه من الخير مَتْرَك » ، أي ليس الثواب فيما ينبغي للمرء أن يتركَه ، ولا الشرّ فيما ينبغي أن يرغب المرء فيه . وتفحَصُ فيه الأعمال : تكشف . والزَّلزال ، بالفتح : اسم للحركة الشديدة والاضطراب ، والزِّلْزال ؛ بالكسر المصدر ، قال تعالى : « وَزُلْزِلوا زِلْزَالاً شَدِيدا » [١] . قوله : « ويشيب فيه الأطفال » كلامٌ جارٍ مجرى المثل ، يقال في اليوم الشديد : إنّه ليُشِيب نواصي الأطفال ؛ وقال تعالى : « فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْما يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبا » [٢] ، وليس ذلك على حقيقته ؛ لأنّ الأُمّة مجمعة على أنّ الأطفال لا تتغيّر حالهم في الآخرة إلى الشيب ؛ والأصل في هذا أنّ الهموم والأحزان إذا توالتْ على الإنسان شاب سريعا . قوله : « إنّ عليكم رصدا من أنفسكم ، وعيونا من جوارحكم » ؛ لأنّ الأعضاء تنطق في القيامة بأعمال المكلفين ، وتشهد عليهم . والرَّصَد جَمع راصد ، كالحرس جمع حارس .
[١] سورة الأحزاب ١١ .[٢] سورة المزمل ١٧ .