تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٣٢
ثمانية ، الواحدة شائلة ، وهي جَمْعٌ عَلَى غير القياس . وشَوّلت الناقة ، أي صارت شائلة ، فأمّا الشائلة بغيرها ، فهي الناقة تَشُول بذَنبها للّقاح ولا لبنَ لها أصلاً ، والجمع شُوّل ، مثل راكع وركّع . والزاجر : الذي يزجر الإبل بسوقها ، ويقال : حدوتُ إبلي وحدوتُ بإبلي ، والحدو سَوْقها ، والغناء لها ، وكذلك الحُداء ، ويقال للشَّمال : حَدْواء ؛ لأنّها تحدو السحاب ، أي تسوقه . والمعنى أنّ سائقَ الشَّوْل يعسِف بها ، ولا يتَّقي سَوْقها ولا يدّارك كما يسوق العِشار . ثم قال عليه السلام : « مَنْ شغَل نفسَة بغير نفسه هلك » ، وذلك أنّ من لا يوفّي النظرَ حقّه ، ويميل إلى الأهواء ونُصرة الأسلاف . والحجاج عَمّا رُبِّيَ عليه بين الأهل والأستاذِينَ الذين زرعوا في قلبه العقائد ؛ يكون قد شغل نفسَه بغير نفسه ؛ لأ نّه لم ينظر لها ، ولا قصد الحقّ من حيث هو حقّ ، وإنّما قصد نُصْرة مذهب معيّن يشقُّ عليه فراقه ، ويصعب عنده الانتقال منه ؛ ويسوءه أن يردّ عليه حجةً تبطله ، فيُسهر عينه ، ويُتعب قلبَه في تهويس [١] تلك الحجة والقدح فيها بالغثّ والسمين ، لا لأ نّه يقصد الحقّ ، بل يقصد نصرة المذهب المعيّن ، وتشييد دليله ، لا جَرَم أ نّه متحيّر في ظلمات لا نهاية لها ! والارتباك : الاختلاط ، ربكت الشيء أربكه رَبكا ، خلطته فارتبك ، أي اختلط ، وارتبك الرَّجل في الأمر ، أي نشب فيه ولم يكد يتخلّص منه . قوله : « ومدّت به شياطينه في طغيانه » ، مأخوذ من قوله تعالى : « وَإخْواَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثمَّ لاَ يُقْصِرُونَ » [٢] . وروي : « ومدّت له شياطينه » باللاّم ، ومعناه الإمهال ، مدَّ له في الغيّ ، أي طوّل له ، وقال تعالى : « قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحمنُ مَدّا » [٣] . قوله : « وزينت له سيّئ ، أعماله » ، مأخوذ من قوله تعالى : « أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنا » [٤] . قوله : « التقوى دار حصن عزيز » ، معناه دار حَصَانة عزيزة ، فأقام الاسم مقام المصدر ، وكذلك في الفجور . ويحرز مَنْ لجأَ إليه : يحفظ من اعتصم به . وحُمَّة الخطايا : سمّها ، وتقطع الحمة ، كما تقول : قطعت سَرَيان السمّ في بدن الملسوع بالبادزهرات والترياقات ؛ فكأنه جعل سمّ الخطايا ساريا في الأبدان ، والتَّقْوى تقطع سريانه . قوله : « وباليقين تدرك الغاية القصوى » ؛ وذلك لأنّ أقصى درجات العرفان الكشف ؛ وهو المراد هاهنا بلفظ اليقين .
[١] تهويس الحجة : إفسادها .[٢] سورة الأعراف ٢٠٢ .[٣] سورة مريم ٧٥ . ٤ . سورة فاطر ٨ .