تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٢٨
.وقام إليه عليه السلام رجل ، فقال : أخبرنا عن الفت وَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهمْ ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلَى رَبِّهِمْ ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ ، وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ . فقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّه ِ ، فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةِ ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة .
الشّرْحُ :
قد كان عليه السلام يتكلم في الفتنة ؛ ولذلك ذكر الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ولذلك قال : « فعليكم بكتاب اللّه » ، أي إذا وقع الأمر واختلط الناس ، فعليكم بكتاب اللّه ؛ فلذلك قام إليه مَنْ سأله عن الفتنة . وهذا الخبر مرويّ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، قد رواه كثير من المحدّثين عن عليّ عليه السلام ، أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال له : « إنّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين ، كما كتب عليّ جهاد المشركين » ، قال : فقلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الفتنة التي كتب عليّ فيها الجهاد ؟ قال : قوم يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وَأَنِّي رسول اللّه ، وهم مخالفون للسنّة . فقلت : يا رسول اللّه ، فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال : على الإحداث في الدّين ، ومخالفة الأمر ؛ فقلت : يا رسول اللّه ، إنك كنت وعدتَني الشهادة ، فاسأل اللّه أن يعجّلها لي بين يديك ، قال : فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ... الحديث . واعلم أنّ لفظه عليه السلام المرويّ في « نهج البلاغة » يدلّ عَلَى أنّ الآية المذكورة وهي قوله عليه السلام : « الم أَحَسِبَ النَّاسُ » أنزِلت بعد أُحُد ؛ وهذا خلاف قول أرباب التفسير . فإن قلت : فلِمَ قال : « علمت أنّ الفِتْنَةَ لاَ تَنْزلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّه بين أظهرنا »؟ قلت : لقوله تعالى : « وَمَا كَان اللّه ُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » [١] . وقوله : « حيزتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ » ، أي مُنعت . قوله : « ليس هَذَا من مواطن الصبر » كلامٌ عالٍ جدا يدلّ على يقين عظيم ، وعرْفَانٍ تام ، ونحوه قوله ـ وقد ضربه ابن ملجم ـ : فزتُ وربّ الكعبة . قوله : « سيُفتنون بعدِي بأموالهم » من قوله تعالى : « إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ
[١] سورة الأنفال ٣٣ .[٢] سورة الأنفال ٢٨ .[٣] سورة الحجرات ١٧ .[٤] سورة الأعراف ٩٩ .