تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٢٥
.منه : الْغَايَةِ الْقُصْوَى .
الشّرْحُ :
هو الآن في ذكر الإيمان ، وعنه قال : « سبيل أبلج المنهاج » ، أي واضح الطريق . ثم قال « فبالإيمان يستدلّ على الصالحات » ، يريد بالإيمان هاهنا مسمّـاه اللغويّ لا الشرعيّ ؛ لأنّ الإيمان في اللغة هو التصديق ، قال سبحانه : « وَمَا أَنْتَ بمُؤمِنٍ لَنَا » [١] ، أي بمصدّق ، والمعنى أنّ من حَصَل عنده التَّصديق ، بالوحدانية والرسالة ؛ وهما كلمتا الشهادة ، استدلّ بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه أو ندبه إليها ؛ لأنّ المسلم يعلم من دين نبيه صلى الله عليه و آله وسلمأ نّه أوجب عليه أعمالاً صالحة ، وندبه إلى أعمال صالحة ؛ فقد ثبت أنّ بالإيمان يستدلّ على الصالحات . ثم قال : « وبالصالحات يستدلّ على الإيمان » ، فالإيمان هاهنا مستعمل في مسمّـاه الشرعيّ لا في مسمّـاه اللغويّ ، ومسمّـاه الشرعيّ هو العقد بالقلب ؛ والقول باللسان ، والعمل بالجوارح ، فلا يكون المؤمن مؤمناً حتى يستكمل فعل كلّ واجب ، ويجتنب كلّ قبيح ؛ ولا شبهة أنّا مَتَى علمنا أو ظننّا من مكلّفٍ أنه يفعل الأفعال الصالحة ، ويجتنب الأفعال القبيحة ؛ استدللنا بذلك على حسن إطلاق لفظ المؤمن عليه ، وبهذا التفسير الذي فَسّرناه نسلم من إشكال الدَّوْر . ثم قال عليه السلام : « وبالإيمان يعمر العلم » ؛ وذلك لأنّ العالم وهو غير عامل بعلمه ، غير منتفع بما علِم ، بل مستضرّ به غاية الضرر ؛ فكأنّ علمه خراب غير معمور ؛ وإنّما يعمر بالإيمان وهو فعل الواجب وتجنّب القبيح على مذهبنا ، أو الاعتقاد والمعرفة على مذهب غيرِنا أو القول اللسانيّ على قول آخرين ؛ ومذهبنا أرجح ؛ لأنّ عمارة العلم إنّما تكون بالعمل من الأعضاء والجوارح ؛ وبدون ذلك يبقى العلم على خرابه كما كان . ثم قال : « وبالعلم يُرهب الموت » ، هذا من قول اللّه تعالى : « إنّما يَخْشَى اللّه َ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ » [٢] . ثم قال : « وبالموت تختم الدنيا » ، وهذا حق لأ نّه انقطاع التكليف . ثم قال : « وبالدنيا تحرز الآخرة » ، هذا كقول بعض الحكماء . الدنيا متجر ، والآخرة ربح ، ونفسك رأس المال . ثم قال : « وبالقيامة تزلف الجنَّة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين » ، هذا من
[١] سورة يوسف ١٧ .[٢] سورة فاطر ٢٨ .