تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥١٨
.منها : وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ . فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ ، الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ : أَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ ؟ ! فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ . فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غيْرِ طَرِيقٍ . فَـلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلاَّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ .وَالْعَامِلُ بالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ . فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ : أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ ؟!
الشّرْحُ :
قوله : « فيهم » يرجع إلى آل محمد صلى الله عليه و آله وسلم الذين عناهم بقوله : « نحن الشّعار والأصحاب » ، وهو يطلق دائما هذه الصيغ الجمعية ، ويعنى نفسَه ، وفي القرآن كثير من ذلك . وكرائم الإيمان : جمع كريمة وهي المنفسات منه ، قال الشاعر : ماضٍ من العيش لو يفدى بذلتُ له كرائم المال من خيل ومن نَعَمِ فإن قلت : أيكون في الإيمان كرائم وغير كرائم ؟ قلت : نعم ؛ لأنّ الإيمان عند أكثر أصحابنا اسم للطّاعات كلّها واجبها ونفلها ، فمن كانت نوافله أكثرَ كانت كرائم الإيمان عنده أكثر ، ومن قام بالواجبات فقط من غير نوافل ، كان عنده الإيمان ، ولم يكن عنده كرائم الإيمان. قوله : « وهم كنوز الرحمان » ؛ لأنّ الكنز مال يدّخر لشديدة أو ملمّة تلمّ بالإنسان ، وكذلك هؤلاء قد ذخروا لإيضاح المشكلات الدينية على المكلفين . ثم قال : إن نطقوا صدقوا، وإن سكتوا لم يكن سكوتهم عن عيّ يوجب كونَهم مسبوقين؛ لكنّهم ينطقون حُكْماً، ويصمُتون حلماً . ثم أمر عليه السلام بالتقوى والعمل الصالح ، وقال : « ليصدق رائدٌ أهلَه » ، الرائد : الذاهب من الحيّ يرتاد لهم المرعى ؛ وفي أمثالهم : « الرائد لا يكذِب أهلَه » ، والمعنى أ نّه عليه السلام أمر الإنسان بأن يصدُق نفسَه ولا يكذبَها بالتسويف والتعليل . « فإنه منها قدم » ؛ قد قيل : إن اللّه تعالى خَلَق أرواح البشر قبل أجسادهم والخبر في ذلك مشهور والآية أيضاً ؛ وهي قوله تعالى : « وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » [١] . ويمكن أنْ يفسّر على وجه آخر ؛
[١] سورة الأعراف ١٧٢ .