تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٨
ثم قال عليه السلام : « الأئمة قوّام اللّه على خلقه » ، أي يقومون بمصالحهم ، وقيّم المنزل : هو المدبّر له . « وعرفاؤه على عباده » : جمع عرِيف ، وهو النقيب والرئيس ، يقال : عَرُف فلان بالضمّ عرافةً بالفتح ، مثل خَطُب خطابة أي صار عريفاً ، وإذا أردت أ نّه عمِل ذلك قلت : عَرَف فلان علينا سنين ، يعرُف عِرافة بالكسر ، مثل كَتبَ يكتبُ كِتابة . قال : « ولا يدخل الجنّة إلاّ مَنْ عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النّار إلاّ مَنْ أنكرهم وأنكروه » ، هذا إشارة إلى قوله تعالى : « يَوْمَ ندْعُو كلّ أُنَاسٍ بإمامِهِمْ » [١] ، قال المفسّرون : ينَادى في الموقف : يا أتْبَاعَ فلان ، ويا أصحاب فلان ، فينَادَى كلّ قوم باسم إمامهم ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام : لا يدخل الجنة يومئذٍ إلاّ مَنْ كان في الدّنيا عارفا بإمامه ، ومَنْ يعرفه إمامه في الآخرة ، فإنّ الأئمة تعرف أتباعها يوم القيامة ، وإن لم يكونوا رأوْهم في الدنيا ، كما أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم يشهد للمسلمين وعليهم ، وإن لم يكُنْ رأى أكثَرهم ، قال سبحانه : « فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشهيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء شَهِيدا » [٢] وجاء في الخبر المرفوع : « مَنْ مات بغير إمام مات مِيتة جاهليّة » [٣] ، وأصحابنا كافّة قائلون بصحّة هذه القضيّة ؛ وهي أنه لا يدخل الجنَّة إلاّ من عرَف الأئمة [٤] .
[١] سورة الإسراء ٧١ .[٢] سورة النساء ٤١ .[٣] مسند أحمد ٥ : ٦١ / ح١٦٤٣٤ ، والحديث معتضد بألفاظ أُخر من طرق شتى مروية في الصحاح والمسانيد والمجاميع الحديثية المعتبرة كصحيح مسلم وغيره .[٤] إن الأئمة الذين عناهم بقوله عليه السلام : « إن الأئمة قوّام اللّه على خلقه ... » إنما هم الأئمة من ولده عليهم السلام ، خلفاء اللّه في أرضه ، ورحمته المهداة إلى عباده ، وهم أصحاب الأمر والنهي ، ومن لهم حق الولاية والإطاعة ، وإليهم يعود تدبير شؤون الناس ، والمراد من معرفتهم معرفة حق ولايتهم وصدق إمامتهم . فلا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وأطاع أمرهم ، أو شهدوا له عند اللّه سبحانه بالإيمان والاستقامة . وهذا يستلزم أنه لا يدخل الجنة منكرٌ لهم عليه السلام . ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه ، فمن أنكر إمامتهم وولايتهم ، ولم يعترف بهم ولم يأخذ دينه منهم فهو إلى النار لا محالة . فالجاهل بالحق وأهله ، أو العالم به وبهم لكنّه أنكر وعاند ، فسوف يدخله اللّه النار .