تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٠
فإن قلت : ألم تكن قلتَ : إنّ قوله : « عن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع » يعني به يوم القيامة ؟ فكيف يقول : « ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة » وهذا إنّما يكون قبل القيامة ؟! قلت : إنّه لمّا ذكر تنافس الناس على الجيفة المنتنة وهي الدنيا ، أراد أن يقول بعده بلا فصل : « ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف » ، لكنه لما تعجّب من تزاحم الناس وتكالُبِهم على تلك الجيفة ، أراد أن يؤكّد ذلك التعجّب ، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين . تؤكد معنى تعجّبه منهم ، فقال : إنَّهم على ما قد ذكرنا من تكالُبهم عليها ؛ عن قليل يتبرّأ بعضهم من بعض ، ويلعن بعضُهم بعضاً ، وذلك أدْعى لهم ـ لو كانوا يعقلون ـ إلى أن يتركوا التكالُب والتهارُش على هذه الجيفةِ الخسيسةِ . ثم عاد إلى نظام الكلام ، فقال : « ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرَّجوف » ، ومثلُ هذا الاعتراض في الكلام كثير ، وخصوصا في القرآن ، وقد ذكرنا منه فيما تقدّم طرفاً . قوله : « والقاصمة الزَّحُوف » ، القاصمة : الكاسرة ، وسماها زَحُوفا تشبيها لمشيها قُدُما بمشي الدَّبي الذي يهلك الزروع ويبيدها ، والزحف : السير على تُؤَدة ، كسيْرِ الجيوش بعضها إلى بعض . قوله : « وتزيغ قُلوب » أي تميل . ونجومُها : مصدر نَجَم الشرّ إذا ظهر . مَنْ أشرف لها : مَنْ صادَمها وقابلها . ومَنْ سعى فيها ، أي في تسكينها وإطفائها ، وهذا كلّه إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان . والتكادُم : التعاضّ بأدْنى الفم ، كما يكدِم الحمار ، ويقال : كَدَم يكدِم ، والمكدَم : المعضّ . والعانة : القطيع من حُمر الوحش ، والجمع عُون . تغيض فيها الحكمة : تنقُض . والمِسْحَل : المبرد . يقول : تنحت أهلَ البدْو وتسحتُهم كما يُسحَتُ الحديد أو الخشب بالمبرد . وأهل البدْو : أهلُ البادية ، ويجوز أن يريد بالمسْحَل الحلْقة التي في طرَف شَكيم اللّجام المعترضة بإزاء حَلْقة أُخرى في الطرف الآخر ، وتدخل إحداهما في الأُخرى ؛ بمعنى أنّ هذه الفتنة تصدم أهل البدْو بمقدمة جيشها كما يصدِمُ الفارسُ الراجل أمامه بمسْحَل لجام فرسه . والكَلْكَل : الصدر . وترضّهم : تدقُّهم دقّا جريشاً. قوله : « تضيع في غبارها الوُحْدان » ، جمع واحد ، مثل شابّ وشبّان ، وراعٍ ورُعيان ، ويجوز « الأُحدان » بالهمز ، أي مَنْ كان يسير وحده فإنه يهلك بالكليَّة في غبارها ، وأما إذا كانوا جماعة ركباناً فإنهم يضلّون ، وهو أقربُ من الهلاك ، ويجوز أن يكونَ الوُحدان جمع أوحد ؛ يقال : فلان أوحد الدّهر ، وهؤلاء الوُحدان أو الأحدان ، مثل أسود وسُودان ، أي يضلّ في هذه الفتنة ، وضلالها الذي كنّى عنه بالغبار فضلاء عصرِها وعلماء عهدها ؛