تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٩٢
الشّرْحُ :
هذا الكلام يتّصل بكلام قبله ، لم يذكره الرضيّ ؛ ، وهو وصف فئة ضالّة قد استولتْ ومَلكت ، وأملى لها اللّه سبحانه . قال عليه السلام : وطال الأمدُ بهم ليستكملوا الخزْي ، ويستوجبوا الغِيَر ، أي النعم التي يغيّرها بهم من نعم اللّه سبحانه ، كما قال : « وَإذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا » [١] . حتى إذا اخلولَق الأجَل ، أي قارب أمرُهم الانقضاءَ ، من قولك : اخلولق السّحاب ، أي استوى ، وصار خليقا بأن يمطر ، واخلولق الرسمُ : استوى مع الأرض . واستراح قوم إلى الفتن ، أي صبا قومٌ من شيعتنا وأوليائنا إلى هذه الفئة ، واستراحوا إلى ضلالها وفتنتها ، واتّبعوها . واشتالوا عن لَقاح حَرْبهم ، أي رفعوا أيديهم وسيوفهم عن أن يشبّوا الحرب بينهم وبين هذه الفئة ، مهادَنةً لها وسلماً وكراهية للقتال ، يقال : شال فلان كذا ، أي رفعه ، واشتال « افتعل » هو في نفسِه ، كقولك : حَجَم زيد عمراً ، واحتجم هو نفسُه . ولَقاح حربهم : هو بفتح اللام ، مصدر من لَقحت الناقة . قوله : « لم يمنُّوا » ، هذا جواب قوله : « حتى إذا » ، والضمير في « يمنّوا » راجع إلى العارفين الذين تقدّم ذكرهم في الفصل السابق ذكره ، يقول : حتى إذا ألقى هؤلاء السّلام إلى هذه الفئة عجزا عن القتال ، واستراحوا من منابذتهم بدخولهم في ضلالتهم وفتنتهم ، إمّا تقيَّة منهم ، أو لشبهة دخلت عليهم ، أنهض اللّه تعالى هؤلاء العارفين الشجعان الّذين خصّهم بحكمته ، وأطلعهم على أسرار مَلكوته فنهضوا ، ولم يمنُّوا على اللّه تعالى بصبرِهم ، ولم يستعظموا أن يبذُلوا في الحقّ نفوسَهم ؛ قال : حتّى إذا وافق قضاء اللّه تعالى وقَدَره كي ينهض هؤلاء بقضاء اللّه وقدره في انقضاء مدة تلك الفئة ، وارتفاع ما كان شَمِل الخلْق من البلاء بملكها وإمْرتها ، حَمل هؤلاء العارفون بصائرَهم على أسيافهم . وهذا معنى لطيف ، يعني أنّهم أظهروا بصائرهم وعقائدهم وقلوبهم للناس ، وكشفوها وجرّدوها من أجفانها ، مع تجريد السيوف من أجفانها ، فكأنها شيء محمول على السيوف يبصره مَنْ يبصرِ السيوف ، ولا ريبَ أنّ السيوف المجرّدة من أجلى الأجسام للأبصار ، فكذلك ما يكون محمولاً عليها ، ومِن النّاس مَنْ فسّر هذا الكلام ، فقال : أراد بالبصائر جمع بصيرة ، وهو الدم ، فكأنه أراد طلبوا ثأرهم والدماء التي سفكتها هذه الفئة ، وكأنّ تلك الدماء المطلوب ثأرها محمولة
[١] سورة الاسراء ١٦ .