تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٨٤
يطالبون بدم عثمان ؛ فهو عليه السلام قال : كلّ ضلالة فلابدّ لها من علّة اقتضتها ، وكلّ ناكثٍ فلابدّ له من شبهة يستنِد إليها . وقوله : « لينتزعَنّ هذا نفس هذا » قول صحيح لا ريبَ فيه ؛ لأنّ الرئاسة لا يمكن أنْ يدبّرها اثنان معاً ، فلو صحّ لهما ما أراداه لوثب أحدهما على الآخر فقتله ؛ فإن الملك عقيم ؛ وقد ذكَرَ أربابُ السّيرة أنّ الرجلين اختلفا من قَبْلِ وقوع الحرب ، فإنهما اختلفا في الصلاة ، فأقامت عائشة محمد بن طلحة وعبد اللّه بن الزبير ؛ يصلي هذا يوماً ، وهذا يوماً ، إلى أن تنقضيَ الحرب . ثم إنّ عبد اللّه بن الزبير ادّعى أنّ عثمان نصّ عليه بالخلافة يوم الدار ، واحتجّ في ذلك بأنّه استخلفه على الصلاة ، واحتجّ تارة أُخرى بنصّ صريح زعمه وادّعاه . واختلفا في تولّى القتال ، فطلبه كلّ منهما أولا ، ثم نكَلَ كلٌّ منهما عنه وتفادَى منه .
١٤٩
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام قبل موته أَيُّهَا النَّاسُ ، كُلُّ امْرِئٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ ، والْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْس . وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ . كَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذَا الأَمْرِ ، فَأَبَى اللّه ُ إِلاَّ إِخْفَاءَهُ . هَيْهَاتَ ! عِلْمٌ مَخْزُونٌ! أَمَّا وَصِيَّتِي : فَاللّه َ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ، وَمُحَمَّداً صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَـلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ . أَقِيمُوا هذَيْن الْعَمُودَيْنِ ، وَأَوْقِدُوا هذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ ، وَخَلاَكُمْ ذَمُّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا . حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ ، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ . رَبٌّ رَحِيمٌ ، وَدِينٌ قَوِيمٌ ، وَإِمَامٌ عَلِيمٌ . أَنَا بِالْأَمْس صَاحِبُكُمْ ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ ! غَفَرَ اللّه ُ لِي وَلَكُمْ!