تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٦٦
١٤١
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ ، فَـلاَ يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ . أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي ، وَتُخْطِئُ السِّهَامُ ، وَيُحِيلُ الْكَـلاَمُ ، وَبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ ، وَاللّه ُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ . أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاَّ أَرْبَعُ أَصَابِـعَ . فَسُئل عليه السلام عن معنى قوله هذا ، فجمع أصابعه ووضعها بين أُذُنه وعينه ، ثمّ قال : الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ!
الشّرْحُ :
هذا الكلام هو نَهْيٌ عن التسرّع إلى التصديق بما يقال من العيب والقدْح في حقّ الإنسان المستور الظاهر ، المشتهَر بالصلاح والخير ، وهو خلاصة قوله سبحانه : « إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ » [١] . ثمّ ضرب عليه السلام لذلك مثلاً ، فقال : قد يرمي الرامي فلا يصيب الغرض ، وكذلك قد يطعن الطاعن فلا يكون طعنه صحيحا ، وربَّما كان لغرض فاسدٍ أو سمعة ممّن له غرض فاسد ، كالعدوّ والحسود ، وقد يشتبه الأمر فيظنّ المعروف منكرا ، فيعجل الإنسان بقول لا يتحقّقه . قال عليه السلام : « ويُحيل الكلام » ، أي يكون باطلاً ، أحال الرجلُ ، في منطقه ، إذا تكلّم الّذي لا حقيقة له ، ومن الناس من يرويه : « ويحِيك الكلام » بالكاف ، من قولك ما حاك فيه السيف ، ويجوز « أحاك » بالهمزة ، أي ما أثّر ، يعني أنّ القول يؤثّر في العِرْض وإن كان باطلاً ، والرواية الأُولى أشهر وأظهر . ويبور : يفسد . وقوله : « وباطل ذلك يبور » ، مثل قولهم : للباطل جولة ، وللحق دولة. والإصبع مؤنثة ، ولذلك ، قال : « أربع أصابع » فحذف الهاء .
[١] سورة الحجرات ٦.