تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٥٦
١٣٦
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً ، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً . إِنِّي أُرِيدُكُمْ للّه وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ . أَيُّهَا النَّاسُ ، أَعِينُوني عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَايْمُ اللّه ِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظلومَ ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً .
الشّرْحُ :
الفَلْتة : الأمر يقع عن غير تدبّر ولا رويّة ؛ وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر ، وقد تقدّم لنا في معنى قول عمر : « كانت بيعة أبي بكر فَلْتة وقى اللّه شرّها » كلام . والخِزامة : حلْقة من شعر تُجعَلُ في أنف البعير ، ويُجعل الزمام فيها . وأعينُوني على أنفسكم : خذوها بالعدل ، واقَنعوها عن اتّباع الهوى ، وارْدَعُوها بعقولكم عن المسالك التي تُرْدِيها وتوبقُها ، فإنّكُم إذا فعلتم ذلك أعنتموني عليها ؛ لأنّي أعظكم وآمركم بالمعروف ، وأنهاكم عن المنكر ، فإذا كبحْتُم أنفسكم بلجام العقل الداعي إلى ما أدعو إليه ؛ فقد أعنتموني عليها . فإن قلت : ما معنى قوله : « أريدكم للّه وتريدونني لأنفسكم »؟ قلت : لأ نّه لا يريد من طاعتهم له إلاّ نصرة دين اللّه والقيام بحدوده وحقوقه ؛ ولا يريدهم لحظّ نفسه ، وأمّا هم فإنهم يريدونه لحظوظ أنفسهم من العطاء والتقريب ، والأسباب الموصّلة إلى منافع الدنيا . وهذا الخطاب منه عليه السلام لجمهور أصحابه ؛ فأمّا الخواصّ منهم فإنّهم كانوا يريدونه للأمر الذي يريدهم له من إقامة شرائع الدين وإحياء معالمه .