تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٥٤
.ومن كلام له عليه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب ف وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَنْتَصِرُونَ ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَمْتَنِعُونَ ، حَيٌّ لاَيَمُوتُ . إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ ، لاَ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَهْفٌ دُونَ أَقْصَى بِلاَدِهِمْ . لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً ، وَاحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاَءِ وَالنَّصِيحَةِ ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللّه ُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى ، كُنْتَ رِدْأً للنَّاس وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ .
الشّرْحُ :
توكَّل لهم : صار وكيلاً ، ويروى « وقد تكفّل » ، أي صار كفيلاً . والحوْزة : الناحية ، وحوْزة الملك بَيْضته ؛ يقول : إنما الذي نصرهم في الابتداء على ضَعْفهم هو اللّه تعالى ؛ وهو حَيٌّ لا يموت ؛ فأجدِرْ به أن ينصرَهم ثانياً ، كما نصرهم أولاً ! وقوله : « فتنكبْ » مجزوم لأ نّه عطف على « تِسرْ » . وكهف ، أي وكهفٌ يلجأ إليه . ويروى « كانفة » أي جهة عاصمة ، من قولك : كنفت الإبل ، جعلتَ لها كنيفاً من الشجر تستتِر به وتعتصم . ورجلٌ مِحْرَب ، أي صاحب حروب . وحفزتُ الرّجل أحفِزه : دفعتَه من خَلْفِه وسقتَه سوقاً شديدا . وكنت ردءا ، أي عوناً ، قال سبحانه : « فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءا يُصَدّقُنِي » [١] . ومثابة : أي مرجعاً ، ومنه قوله تعالى : « مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا » [٢] ، أشار عليه السلام ألاّ يشخَص بنفسه ، حذرا أن يصابَ ، فيذهب المسلمون كلّهم ، لذهاب الرأس ، بل يبعث أميرا من جانبه على النّاس ، ويقيم هو بالمدينة ، فإن هُزِموا كان مرجعُهم إليه . واعلم أنّ هذه الغَزَاة هي غزاة فلسطين ، التي فتِح فيها بيت المقدس وقد ذكرها محمد ابن جرير الطبري في التاريخ [٣] .
[١] سورة القصص ٣٤ .[٢] سورة البقرة ١٢٥ .[٣] تاريخ الطبري ١ : ٢٤٠٥ طبع أُوربا .