تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٣٨
واستحرار القتل : شدّته ، استحرّ وحَرّ بمعنى . والمفلِت : الهارب . يقول عليه السلام : إنّ الأُمورَ المستقبلة على قسميْن : أحدهما : ما تفرّد اللّه تعالى بعلمه ، ولم يطلِعْ عليه أحدا من خلقه ، وهي الأُمور الخمسة المعدودة في الآية المذكورة : « إنَّ اللّه َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَافِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أرْضٍ تَمُوتُ » . والقسم الثاني : ما يعلمُه بعضُ البشر بإعلام اللّه تعالى إيّاه ، وهو ما عدا هذه الخمسة ، والإخبار بملحَمة الأتراك من جُمْلة ذلك . وتضطمّ عليه جوانحي ، تفتعل ، من الضمّ ، وهو الجمع ، أي يجتمع عليه جوانح صدري ، ويروى : « جوارحي » . وأعلم أنّ هذا الغيب الذي أخبر عليه السلام عنه قد رأيناه نحن عيانا ، ووقع في زماننا ، وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق ؛ حتى وردت خيلهم العراق والشام ، وفعلوا بملوك الخطا ، وقفجاق ، وبلاد ما وراء النهر ، وبخراسان وما ولاها من بلاد العجم ، ما لم تحتو التواريخ منذ خلق اللّه تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله .
١٢٩
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام في ذكر المكاييل والموازين عِبَادَ اللّه ِ ، إِنَّكُمْ ـ وَمَا تَأمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا ـ أَثْوِيَاءُ مُؤجَّلُونَ ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ : أَجَلٌ مَنْقُوصٌ ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ . فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ، وَرُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ . وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لاَ يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلاَّ إدباراً ، وَالشَّرُّ فِيهِ إِلاَّ إِقْبَالاً ، وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاس إِلاَّ طَمَعاً . فَهذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ .