تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٣٤
.ومن كلام له عليه السلام اتَّبَعْنَاهُم ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا . فَلَمْ آتِ ـ لاَ أَبَا لَكُمْ ـ بُجْراً ، وَلاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ ، وَلاَ لبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ . إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاَّ يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ ، فَتَاهَا عَنْهُ ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ . وَقَدْ سَبَقَ استِثْنَاؤنَا عَلَيْهِمَا ـ فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ ، وَالصَّمْدِ لِلْحَقِّ ـ سُوءَ رَأْيِهِمَا ، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا.
الشّرْحُ :
ليس لقائل أن يقول له عليه السلام معتذرا عن الخوارج : إنّهم إنّما ظلّلوا عامّة أُمّة محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، وحكَموا بخطئِهِم وكفرِهم وقتلهم بالسيف خبطا ؛ لأنهم وافقوك في تصويب التحكيم ، وهو عندهم كفر ، فَلِمَ يؤاخذوهم بذنبك كما قلت لهم ؟ وذلك لأنّ أمير المؤمنى عليه السلام ما قال هذه المقالة إلاّ لمن رَأى منهم استعراضَ العامّة ، وقتل الأطفال حتى البهائم ، فقد كان منهم قوم فعلوا ذلك . وقد سبق مِنّا شرح أفعالهم ووقعائعهم بالناسِ ، وقالوا : إنّ الدار دار كفر لا يجوز الكفّ عن أحد من أهلها ، فهؤلاء هم الذين وجَّه أميرُ المؤمنين عليه السلام إليهم خطابه وإنكاره ، دون غيرهم من فرق الخوارج . واعلم أنّ الخوارج كلّها تذهب إلى تكفير أهل الكبائر ، ولذلك كفّروا علياً عليه السلام ومَن اتّبعه على تصويب التحكيم ، وهذا الاحتجاج الذي احتجّ به عليهم لازم وصحيح ؛ لأ نّه لو كان صاحبُ الكبيرة كافراً لما صلّى عليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ولا ورّثه من المسلم ، ولا مكّنه من نكاح المسلمات ، ولا قسم عليه من الفيء ، ولأخرجه عن لفظ الإسلام . قوله عليه السلام : « ومن رَمَى به الشيطان مراميَه » ، أي أضلّه ، كأنّه رمَى به مرمىً بعيداً ، فضلّ عن الطريق ، ولم يهتدِ إليها . قوله : « وضرب به تيهَه » أي حيّره وجعله تائهاً . ثم قال عليه السلام : يهلك فيّ رجُلان ، فأحدهما مَنْ أفرط حبّه له واعتقاده فيه حتى ادّعى له الحلول كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح عليه السلام ، والثاني مَنْ أفرطَ بغضه له ، حتى حارَبَه ، أو لعنه ، أو برئ منه ، أو أبغضه ، هذه المراتب الأربع ؛ والبغض أدناها ، وهو مُوبِقٌ مهلك ، وفي الخبر الصّحيح المتَّفق عليه أنه « لا يحبّه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق » [١] ، وحسبك بهذا الخبر ، ففيه
[١] صحيح مسلم ١ : ٨٦ ح١٣١ كتاب الإيمان عن عليّ عليه السلام بلفظ : أ نّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق ، الإمام أحمد ابن حنبل في فضائل الصحابة وابتدأه بلفظ : يا أيّها الناس أُوصيكم بحبّ أخي وابن عمّي ... وعنه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى : ص٩١ ، المعجم الأوسط للطبراني ٥ : ٣٧٧ ح٤٧٤٨ بلفظ : لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق ... ، ومثله في المناقب لابن مردويه : ص١١٥ ح١٣٨ ، وأخرجه بألفاظه المتعدّدة للعلامة الأميني رحمه الله في الغدير ٣ : ٢٦٠ ـ ٢٦٥ وأوعز إلى مصادره .