تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٢٤
يقرّع عليه السلام أصحابه بالجبن والفشل ، ويقول لهم : لكأنّي أنظر إليكم وأصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي قد اعتراكم ، فهي أشبه شيء بأصوات الضِّباب المجتمعة . ثم أكَّد وصف جبنهم حقاً وخوفهم ، فقال : لا تأخذون حقا ، ولا تمنعون ضيماً ، وهذه غاية ما يكون من الذلّ . ثم ترك هذا الكلام وابتدأ فقال : قد خلِّيتم وطريق النجاة عند الحرب ، ودللتم عليها ، وهي أن تقتحموا وتلحجوا ، ولا تهنوا ؛ فإنكم مَتَى فعلتم ذلك نجوْتم ، ومتى تلوّمتم وتثبطتم وأحجمتم هلكتم ، ومن هذا المعنى قول الشاعر : تأخرْتُ أسْتَبْقي الحياةَ فلم أجِدْ لِنَفْسِي حَيَاةً مثل أن أتقدّما [١] ولهذا المعنى الذي أشار إليه عليه السلام سبب معقول ؛ وهو أنّ المقدّم على خصمه يرتاع له خصمه ، وتنخذل عنه نفسه ، فتكون النجاة والظفر للمقدّم ؛ وأما المتلوّم عن خصمه ، المحجم المتهيّب له ، فإن نفس خصمه تقوى عليه ، ويزداد طمعه فيه ، فيكون الظفر له ، ويكون العطب والهلاك للمتلوّم الهائب .
١٢٤
الأصْلُ :
[١] لسان العرب ٨ : ٢٣٣ ، من غير نسبة .[٢] للحصين بن الحمام المري ، ديوان الحماسة ـ بشرح التبريزي ١ : ١٩٢ .