تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤١٨
المصاحف ، فإن استقمتم لي اهتديتم بي ، وإن لم تستقيموا فذلك ينقسم إلى قسمين : أحدهما : أن تعوجوا ، أي يقع منكم بعض الالتواء ، ويسيرٌ من العصيان ، كفتور الهمّة وقلة الجدّ في الحرب . والثاني : التأنِّي والامتناع المطلق من الحرب . فإن كان الأول قوّمْتكم بالتأديب والإرشاد وإرهاق الهمم والعزائم ، بالتبصير والوعظ والتحريض والتشجيع ، وإن كان الثاني تداركت الأمر معكم ؛ إمّا بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب وأهل خُراسان والحجاز . فكلّهم كانوا شيعتَه وقائلين بإمامته ، أو بما أراه في ذلك الوقت من المصلحة التي تحكم بها الحال الحاضرة . قال : لو فعلت ذلك لكانتْ هي العقدة الوثقى ، أي الرأي الأصوب الأحزم . واعلم أنه عليه السلام لما قال هذا القول ، واستدرك بكلام آخر حذَرا أن يثبِتَ على نفسه الخطأ في الرأي ، فقال : لقد كان هذا رأياً لو كان لي من يطيعني فيه ، ويعمل بموجبه ، وأستعين به على فعله ، ولكن بمنْ كنت أعمل ذلك ؟ وإلى مَنْ أخلد في فعله ؟! أمّا الحاضرون لنصري فأنتم وحالكم معلومة في الخلاف والشّقاق والعصيان ، وأمّا الغائبون من شيعتي كأهل البلاد النائية فإلى أن يصلوا قد بلغ العدوّ غرضه منّي ، ولم يبقَ مَنْ أخلُد إليه في إصلاح الأمر وإبرام هذا الرأي الذي كان صواباً لو اعتمد ؛ إلا أنْ أستعين ببعضكم على بعض ، فأكون كناقش الشوكة بالشوكة ، وهذا مثل مشهور : « لا تنقش الشوكة بالشوكه » ، فإن ضَلْعها لها ، والضلع الميل ، يقول : لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها ، فإن إحداهما في القوّة والضعف كالأُخرى ، فكما أنّ الأُولى انكسرت لَمّا وطئتَها فدخلتْ في لحمك ، فالثانية إذا حاولت استخراج الأُولى بها تنكسر ، وتلج في لحمك . ثم قال : « اللّهم إن هذا الداء الدويّ ، قد ملّت أطباؤه » ، والدويّ : الشديد ، كما تقول ليلٌ أليل . وكلّت النَّزَعة ، جمع نازع ، وهو الذي يستقي الماء ، والأشطان : جمع شَطَن ، وهو الحبل . والرّكيّ : الآبار ، جمع رَكيّة ، وتجمع أيضاً على ركايا . ثم قال : أين القوم ؟! هذا كلام متأسّفٍ على أُولئك ، متحسّر على فقدهم . والوله : شدّة الحب حتى يذهب العقل ، وَلِهَ الرجل . واللِّقاح ، بكسر اللام : الإبل ، والواحدة لقوح ، وهي الحلوب ، مثل قِلاص وقلوص . قوله : « وأخذوا بأطراف الأرض » ، أي