تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٩٨
.ومن خطبة له عليه السلام عَلَى بَلاَئِهِ . وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هذِهِ النُّفُوس الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ ، السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ . وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ : عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ . وَنُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ ، إِيماناً نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ ، وَيَقِينُهُ الشَّكَ . وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّه ُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه ، وَأَنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله وسلمعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ ، وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ . لاَيَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ ، وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ . أُوصِيكُمْ ، عِبَادَ اللّه ِ ، بِتَقْوَى اللّه ِ الَّتي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَاذُ : زَادٌ مُبْلِغٌ ، وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ . دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ . فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا ، وَفَازَ وَاعِيهَا . عِبَادَ اللّه ِ ، إِنَّ تَقْوَى اللّه ِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللّه ِ مَحَارِمَهُ ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ ، حَتَّى أَسهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ؛ فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ ، وَالرِّيَّ بِالظَّمَأ ، وَاسْتَقْرَبُوا الأجَلَ ، فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ، وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَـلاَحَظُوا الأجَلَ . ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ؛ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ ، لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ ، وَلاَ تُؤسَى جِرَاحُهُ . يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ . آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ ، وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ . وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللّه ِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ ، وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ . وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً ، والْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً؛ لَيْسَ ذلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ ، وَبُؤساً نَزَلَ . وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ المَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ . فَـلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ ، وَلاَ مُؤمَّلٌ يُتْرَكُ . فَسُبْحَانَ اللّه ِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا ! وَأَظْمَأَ رِيَّهَا ! وَأَضْحَى فَيْئَهَا ! لاَ جَاءٍ يُرَدُّ ، وَلاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ . فَسُبْحَانَ اللّه ِ ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ لِلِحَاقِهِ بِهِ ، وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ! إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ . وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ