تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٩٢
قلتُ : لأنّ القوادم مقاديمُ الريش ، والراكب عليها بعرض خطر عظيم وسقوط قريب ، والجناح يستر ويقي البرد والأذى . وتُوبقه : تهلكه ، والأبّهة : الكِبْر . والرَّنَق ، بفتح النون ، مصدر رَنَق الماء ، أي تكدّر وبالكسر الكدر ، وقد روي هاهنا بالفتح والكسر ، فالكسر ظاهر ، والفتح على تقدير حذف المضاف ، أي ذو رَنَق . وماء أُجَاج : قد جمع المرارة والمُلوحة ، أجّ الماءُ يؤُج أُجاجاً . والصبِر ، بكسر الباء : هذا النبات المرّ نفسه ، ثم سمِّي كلّ مرّ صبِرا . والسّمام : جمع سَمّ لهذا القاتل ، يقال سَمّ وسُمّ ، بالفتح والضم ، والجمع سِمام وسُموم . ورمام : بالية ، وأسبابها : حبالها . وموفورها : ذو الوفْر والثروة منها . والمحروب : المسلوب ، أي لا تحمي جارا ولا تمنعه . ثم أخذ قوله تعالى : « وَسَكَنْتمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ » [١] ، فقال : « ألستم في مساكِن مَنْ كان قبلكم أطول أعماراً » ، نصب « أطول » بأنه خبر كان ، وقد دلّنا الكتَابَ الصادق على أنهم كانوا أطول أعمارا بقوله : « فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَاما » [٢] ، وثبت بالعيان أنّهم أبقى آثارا ؛ فإنّ من آثارهم الأهرام والإيوان ومنارة الإسكندرية وغير ذلك . وأمّا بُعدُ الآمال فمرتَّب على طول الأعمار ، فكلّما كانت أطول كانت الآمال أبعَد ، وإن عَنَى به علُوّ الهمم ، فلا ريب أنهم كانوا أعلى همما من أهل هذا الزمان ، وقد كان فيهم مَنْ ملَك معمورة الأرض كلّها ، وكذلك القول في « أعدَّ عديدا ، وأكثَف جنوداً » ، والعديد : العدوّ الكثير ؛ وأعدّ منهم ، أي أكثر . قوله : « ولا ظهر قاطع » ، أي قاطع لمسافة الطريق . والفوادح : المثقلات ، فَدَحه الدَّين أثقله ، ويروى « بالقوادح » بالقاف ؛ وهي آفة تظهر في الشجر ، وصدوع تظهر في الأسنان . وأوهقتهم : جعلتهم في الوهَق ، بفتح الهاء ، وهو حبل كالطِّوَل ويجوز التّسْكين ، مثل نَهْر ونَهَر . والقوارع : المحن والدواهي ، وسميت القيامة قارِعة في الكتاب العزيز من هذا المعنى وضَعْضَعتهم : أذلّتهم ، قال أبو ذؤيب :
[١] سورة إبراهيم ٤٥ .[٢] سورة العنكبوت ١٤ .