تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٣٦
الشّرْحُ :
أمهله : أخّره ، وأخذُه فاعل ، والمفعول محذوف تقديره : « فلن يفوته » . والمرصاد : الطريق ، وهي من ألفاظ الكتاب العزيز . ومجاز طريقه : مسلكه وموضع جوازه . والشَّجَا : ما ينشَب في الحلق من عظم أو غيره ، وموضع الشَّجا : هو الحلْق نفسه . ومساغُ ريقه : موضع الإساغة ، أسغت الشراب : أوصلتُه إلى المعدة . ويجوز : سغت الشراب أسُوغه وأسيغه ، وساغ الشرابُ نفسُه يسوغ سَوْغا ، أي سَهُل مدخله في الحَلْق ، يتعدّى ولا يتعدّى . وهذا الكلام من باب التوسّع والمجاز ؛ لأنّ اللّه تعالى لا يجوز عليه الحصول في الجهاتِ ، ولكنه كقوله تعالى : « وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنْتُم » [١] . وقوله : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [٢] . ثم أقسم عليه السلام أنّ أهل الشام لابدّ أن يظهروا على أهل العراق ، وأنّ ذلك ليس لأنهم على الحقّ وأهلُ العراق على الباطل ، بل لأنّهم أطوَعُ لأميرهم ، ومدَار النّصرة في الحرب إنّما هو على طاعة الجيش وانتظام أمره ، لا على اعتقاد الحقّ ، فإنه ليس يُغْنِي في الحرب أن يكون الجيش محقّا في العقيدة إذا كان مختلف الآراء ، غير مطيع لأمر المدبّر له ، ولهذا تجدُ أهل الشرك كثيرا ما ينتصرون على أهل التوحيد . ثم ذكر عليه السلام نكتة لطيفة في هذا المعنى ، فقال : العادة أنّ الرعيّة تخاف ظلم الوالي ، وأنا أخاف ظلم رعيتي ، ومَنْ تأمّل أحواله عليه السلام في خلافته ، علم أ نّه كان كالمحجور عليه ، لا يتمكّن من بلوغ مافي نفسه ؛ وذلك لأنّ العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين ، وكان السواد الأعظم ، لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقادُه فيه ، ويرون تفضيلَ مَنْ تقدّمه من الخلفاء عليه ، ويظنّون أن الأفضليّة إنما هي الخلافة ، ويقلّد أخلافُهم أسلافَهم ، ويقولون : لولا أن الأوائل علموا فضل المتقدّمين عليه لما قدّموهم ، ولا يروْنه إلاّ بعين التبعيّة لمن سبقه ، وأنه كان رعيّة لهم ، وأكثرهم إنما يحارب معه بالحميّة ، وبنخوة العربية لا بالدين والعقيدة ، وكان عليه السلام مدفوعا إلى مداراتهم ومقاربتهم ، ولم يكن قادرا على إظهار ما عنده . ثم قال : « أو أموت كما مات أصحابي » ، فمن قائل يقول : عَنَى بأصحابه الخلفاء المتقدّمين ، ومن قائل يقول : عَنَى بأصحابه شيعتَه كسلمان وأبي ذرّ والمقداد وعَمّار ونحوهم .
[١] سورة الحديد ٤ .[٢] سورة ق١٦ .